كامل عباس: العلمانية والدين تفاضل أم تكامل ؟

اللاذقية- كامل عباس: كلنا شركاء

لاتزال الغالبية العظمى من كوادر اليسار العربي تنظر الى الدين بوصفه أفيون الشعوب .

بين يدي مقال نموذجي عن تلك المدرسة  لرئيس القسم الثقافي في جريدة جيرون الجديدة – جذور الإرهاب المقدس – بدأه هكذا

منذ الجريمة الأولى لهابيل بحق أخيه، انطلق العنف والقتل في ظل الصراع على الخيرات المادية وحيازة الملكية الخاصة والسيادة. ثم جاءت الديانات السماوية “اللاهوت” و”العقائد المقدسة”؛ لتصب الزيت على النار، وتؤجج هذا العنف، وتعطيه الحق والشرعية. فجميع الديانات الوثنية والتوحيدية: اليهودية والمسيحية كما الإسلامية، دعت إلى العنف وقتل الكفار والمشركين وتحديد الفرقة الناجية …….  إن تاريخ الديانات، هو تاريخ من الإرهاب النفسي والبيولوجي والفكري.

وأنهاه كما يلي

ومن هنا بات من الضروري أن نعطي “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، وأن نفكر في حماية الدين من السياسة، وحماية السياسة من الدين. ولا يتم ذلك إلا بفصل الدين عن الدولة، وإخراجه من سوق التداول الرخيص، والتدخل السافر في الشأن العام، وعودته -بكل احترام وتقدير- إلى مكانه الطبيعي الذي وجد من أجله؛ أي: الكنيس والكنيسة والمسجد والمعبد، وغيرها من دور الله.

***

ربما كانت  ظاهرة الدين من أعقد الظواهر التي عرفها الجنس البشري في مسيرته على هذا الكوكب. وقد استدعتها في البداية عوامل عديدة منها ما هو طبيعي, مثل الزلازل والبراكين وتقلبات الطقس وقسوة ووحشية الطبيعة , ومنها ما هو اجتماعي مثل الحروب الهمجية بين القبائل البدائية , وهو يعد بحق الشكل الجنيني للعقل البشري , فالانسان الأول لم يستطع تفسير تلك الظواهر الطبيعية وأسباب قسوتها عليه, فعزاها الى قوة خارجة عنه موجودة في السماء وبدأ يصلي من اجلها كي ترأف بحالته , وهو من جهة أخرى وقف حائرا أمام اضطهاد الانسان لأخيه الانسان , وعاجزا عن دفع الظلم والقهر عنه على الأرض فجّسد تلك الذات الانسانية المتكاملة المنزهة عن الظلم والاضطهاد في السماء .

كل الأديان السماوية تحض على فعل الخير والابتعاد عن فعل الشر, وجميعها تريد أن تسود بين الناس العدالة والمحبة التي يريدها الله تعالى لعباده , ما من دعوة دينية الا وكان وراء ظهورها في زمانها ومكانها اشتداد الظلم والقهر والفساد , وجميع أنبياء ورسل الأديان السماوية كانوا مصلحين اجتماعيين عندما بعثوا الى الأرض .

ولكن الدين في التاريخ كغيره من الظواهر نشأ وتطور داخل المجتمع وليس فوقه مما جعله حقلا للصراع الاجتماعي وقد تمكنت الطبقات التي تملك الجاه والثروة والنفوذ من هضم  تعاليمه  وتحويرها بما يتتناسب مع قيمها ومصالحها في المجتمع أخيرا .  ما جرى لتعاليم الدينين  الرئيسيين خير شاهد على ذلك .

تعاليم السيد المسيح لتلامذته تقول كما ورد في الكتاب المقدس (الحق أقول لكم انه يعسر أن يدخل غني الى ملكوت السموات’ وأقول لكم أيضا ان مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني الى ملكوت الله ))  وقد كان أخوه يعقوب بنفس الوضوح بقوله هلّم الآن أيها الأغنياء , ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة , غناكم قد تهرأ, وثيابكم قد أكلها العث , ذهبكم وفضتكم قد صدئا , وصدؤهما أكل لحومكم كنار , قد كثرتم في الأيام الأخيرة , هو ذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ , وصراخ الحاصدين قد دخل الى أذني رب الجنود .. اما اختار الله فقراء هذا العالم .. ورثة الملكوت )) .

بكل أسف سيطرت حركة رأس المال على الكنيسة المسيحية في فترة من الفترات من أدنى رتبة فيها الى أعلاها- حيث أصبح همهم  جمع المال بأي طريقة كانت بما فيها بيع وشراء المراتب الدينية وأصبحت الكنيسة الداعم الأساسي لحق الملوك الالهي في السلطة , كما دعمت محاكم تفتيش تحرق المخالفين لتعاليمها أحياء كما جرى للطبيب ورجل الدين الأسباني مايكل سرفانتس عام 1553م ,

لم تكن تعاليم النبي محمد أقل انحيازا للفقراء والضعفاء من تعاليم السيد المسيح والأية الكريمة شاهد على ذلك ( نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةونجعلهم الوارثين )  وقد كان هاجس دعوته محاربة حكم السلالات المرزول واستبداله بحكم الشورى . لكنه انتهى فيما بعد الى  عودة حكم السلالات  باسم الدين الاسلامي .

هذا يعني ببساطة ان الاديان جميعها كانت تدعو للرحمة بالانسان وليس الى العنف كما يقول الكاتب .

واذا كان التطور فيما بعد استدعى العقل ليكمل مسيرة الدين – وهو ما يفسر لنا لماذا  كان محمدا آخر الأنبياء – فقد جرى لمسيرة العقل نفس ما جرى لمسيرة الدين .

لقد ابتدأت العلمانية  في أوروبا وخاضت صراعا مع رجال الدين ونجحت في فصل الدين عن الدولة هناك , وأطلقت شعارات الحرية والاخاء والمساواة بين الناس’ ولكنها تحولت عن مسيرتها الأولى فيما بعد لتستعمر الشعوب الفقيرة باسم تلك الشعارات ولتنتهي دولها الى حكومات همها تمكين أصحاب المال بزيادة أرباحهم حتى ولو كان عبر الاتجار بالأعضاء البشرية بعد نزعها من ضحاياهم وهم أحياء .

بعد علمانية اوروبا جاءت علمانية الشيوعيين في الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي السابق . وبالفعل قدّمت تلك العلمانية أيضا الكثير لمجتمعاتها في البداية  ولكنها ما لبثت ان ارتدت عن شعاراتها لتنقلب سمة العصر فيها من الاشتراكية الى الراسمالية ولتلتقي مع الغرب في سوق رأسمالية واحدة همها نهب الفقراء والمنتجين في كل مكان .

لم تكن مسيرة العقل ارحم من مسيرة الدين بالانسان , وهاهي منجزاته تقدم لنا كل أنواع الأسلحة من ميكانيكية وكيميائية وحيوية وزريه لتوضع في يدي الأقوياء والأغنياء لتركيع وتجويع الفقراء . وان كانت مسيرة الوحي قد اعتمدت على رجال دين منافقين زوّروا تعاليم الدين لخدمة الحكام , فقد عرفت مسيرة العقل  ما يشبه رجال الدين المنافقين , انهم مساحو الجوخ أو الانتهازيين الذين استعملوا عقولهم من أجل تبرير سلوك حكامهم .

بالمقابل كان وما يزال من يعترض على ذلك التطويع سواء للدين أو العلم لمصلحة حفنة من بني الانسان وليس لمصلحة الجنس البشري ككل ,وقد تبلوروا تاريخيا في تيارين, تيار مثالي  رافعته الضمير وتيار مادي رافعته العقل. والتاريخ يحدثنا عن رجال دين وأولياء صالحين في كل الأديان لم تقل صلابة نضالهم ضد الظلم والقهر الواقع على الانسان من صلابة رجال العقل الماديين .

والآن ونحن في بداية القرن الواحد والعشرين استطاع الأغنياء واصحاب البنوك والشركات فوق القومية من كل الجنسيات التوحد داخل العولمة ليجعلوا اتجاهها يحقق لهم مزيدا من الثروة والجاه على حساب المجتمع والبيئة معا , وليعمموا قيمهم وأخلاقهم القائمة على الرزيلة وجمع المال بأي ثمن . في حين  نجد المناصرين لغد أفضل للانسان مبعثرين وغير موحدين ويفتعلون المعارك الجانبية فيما بينهم كما يحصل بين الماديين والمثاليين تحت عنوان الكفار والمؤمنين , وبدلا من ان يستخلص اليسار العبر والدروس من الماضي يصر على إنكار دور الدين في المجتمع , بعد أن قادتنا علمانية الغرب والشرق ذات البعد الأحادي للحضارة الى حنين للدين وقيمه ودعوته الأخلاقية التي توفر الطمأنينة والسكينة للناس العاديين .

تبدو المشكلة اكبر في البلدان ذات الحضارة العربية الاسلامية بسبب خصوصية الدين الاسلامي  .

يختلف الدين الاسلامي عن الدين المسيحي بكونه كما يقول عنه فقهاؤه هو دين ودنيا , ربما كان أول من أشار الى هذه الحقيقة في الغرب هو عميد اللبرالية جون ستيوارت ميل في كتابه عن الحرية حيث رأى ان آداب المسيحية  قد اجتمعت فيها كل صفات رد الفعل وهي في معظمها عبارة عن احتجاج على الوثنية , فهي تطلب للناس كمالا سلبيا أكثر منه ايجابيا ولا يمكن أن نجد في أداب المسيحية قول مأثور يوازي القول التالي في الآداب الاسلامية  (كل وال يستكفي عاملا عملا وفي ولايته من هو أقوم به وأكفا منه , فقد خان عهد الله وخليفته).

الدين الاسلامي يحض معتنقه صراحة على التدخل في الشؤون الدنيوية لصالح العامة وليس لصالح القلة من الناس. هذا يعني ان أي محاولة لحض المسلم على فهم دينه كأنه دين عبادات ودين روحي كما يريد الكاتب ,هي محاولة لسحب التجربة الغربية للعلمانية على واقعنا سحبا ميكانيكيا .

الاسلام  سبق مفكرو الغرب العلمانيين بقرون في ممارسته السياسية على الأرض  ووثيقة المدينة بين المشركين والمسلمين واليهود تكاد تكون أول عقد اجتماعي ينطلق من مكونات المجتمع ويراعي تواجدها على الأرض . الاسلام ايضا سبق اوروبا  في دعوته الى اللبرالية – ولا تذر وازرة وزر أخرى , لا اكراه في الدين .

هضم الاستبداد الشرقي الدين الاسلامي  وتحالف فقهاؤه مع الاستبداد ’ وصاغوا الشعور العام للمسلمين على هواهم من خلال الدولة والجامع , وخلقوا عددا من المؤسسات والجمعيات التي تتعيش على موائدهم , واستتب لهم الأمر ألف عام ,

لكن الذين حاربوا  تلك النزعة الاستبدادية من المسلمين ليسوا قلة . نسوق مثالا واحدا عليهم وهو المفكر الاسلامي الحلبي عبد الرحمن الكواكبي والذي دفع حياته ثمنا لجرأته في تناول المستبدين وما يزال كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد من اهمم اكتب عن الاستبداد الشرقي وفيه يقول : ما أليق بالأسير في الأرض أن يتحول عنها الى حيث يملك حريته , فان الكلب الطليق خير حياة من الأسد المربوط )) , وهو الذي قضى حياته وهو يفكر في  تأثير الاستبداد على الدين , على العلم , على المجد , على المال , على الترقي , على التربية , على العمران . ومن هم أعوان الاستبداد ؟ وكيف يكون التخلص من الاستبداد ؟ وبماذا ينبغي استبدال الاستبداد ؟

ما أحوجنا الآن لتبصير المسلم بحقيقة دينه وسحب البساط من بين أرجل الجهاديين الحربجيين الذين يتلاعبوا بشعور عامة المسلمين العفوية من اجل مصالح خاصة بهم تقود بالنهاية الى استبداد ديني أسوا من استبداد القرون الوسطى

تتجلى المعركة بأبعادها الكبرى في الثورة السورية , فهذه الثورة لأسباب عديدة – لسنا بصددها هنا-  هي ثورة أبناء الطائفة السنية التي تتمسك بالاسلام وتعاليمه التاريخية أكثر من كل الطوائف الأخرى وهو الذي يمدها بالطاقة الروحية اللازمة لمقاومة طغيان النظام الديكتاتوري وبراميله المتفجرة ومحاولته تركيعها وتجويعها ,

واذا كنا نريد أن نخدم ثورتنا وشعبنا  فما علينا سوى العمل الى جانب الاسلاميين المتنورين لتبصير تلك الجماهير المتدينة بحقيقة دينها كونه هو دين السلام وعنوانه – السلام عليكم –  والسلام والاسلام يلتقيان في توفير الطمانينة , ونبي الاسلام  وحامل رسالته حامل راية السلام وهو يحدث عن نفسه فيقول : – إنما أنا رحمة مهداة – ويحدث القرآن عن رسالته فيقول ( وما أرسلناك الا رحمة للعالمين ) , وتحية المسلمين التي تؤلف القلوب وتربط الإنسان بأخيه الإنسان هي السلام , وبذلك نسحب البساط من تحت أرجل الاسلاميين المنافقين الذين يستغلون ظروف عامة المسلمين الحالية  ويدغدغون مشاعر البسطاء من أهلنا باسم الجهاد في سببيل الله .

ان نهضة مجتمعاتنا الاسلامية لا تتوقف على  فصل الدين عن الدولة كما يتوهم فلاسفة العقلانيين العرب , بل الى فصل الدولة عن الدين , الى التنافس بين الدينين والعلمانين من اجل نصرة المظلوم واغاثة الملهوف على الأرض .

لقد عمل رواد النهضة الأولى اوائل القرن الماضي بجد وتفان من اجل تطوير وتحديث مجتمعاتهم , كان همهم التقاطعات فيما بينهم التي تخدم قضية الحرية وليس التفتيش عن الخلافات حول المجتمعات القادمة هل هي علمانية ام اسلامية,

نسجل هنا بكل مرارة وأسف ’ ان شطرا مهما من المثقفين العرب عامة  والسوريين خاصة ,علمانيين واسلاميين لم يستوعبوا دروس الماضي , وما زال الكثير منهم يفتعل المعارك الجانبية ويفتش عن نقاط الخلاف أكثر مما تهمه نقاط اللقاء, والكثير منهم ما زال أثير الفهم الماضي المسئول إلى حد كبير عن قوة التيار السلفي الحالية في الشارع السوري,

لم يحدثنا التاريخ عن معارك جانبية بين شقي النهضة العربية الأولى

بين العلمانيين أمثال فارس الشدياق وفرح انطون وشبلي شميل وبطرس البستاني وعبد الرحمن الشهبندر

وبين الاسلاميين امثال محمد عبده وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي

فلماذا لا نقتدي بهم ونحاول ان نكون امتدادا لهم ولجهودهم من اجل نهضة بلداننا العربية ؟

لاأجد انسب من سرد هذه الواقعة فهي تحمل من الدلالات ما هو أعظم من الدلالات النظرية والفلسفية التي قدمتها في هذه المداخلة .

جرى على هامش حضوري المجلس الوطني لإعلان دمشق عام 2007 لقاء بيني وبين المهندس نزار نجار المحسوب على كتلة الاخوان المسلمين في الاجتماع . كنا نعرف بعضنا من خلال الشبكة العنكبوتية. سألني عن منتدى الحوار الثقافي في اللاذقية وجلساته وحواراته وعدد الذين يحضرونه أجبت : تحصل في المنتدى حوارات عميقة ولكنها محكومة باللحظة والهاجس الأمني . أحيانا لا يتجاوز الحضور عشرة أشخاص , وفي أحسن الحالات لم تتجاوز الثلاثين شخصا . أجابني يا صديقي انا في كل جمعة يحضر عندي ما يزيد عن الخمسمائة شخص. اذا كنتم تريدون التعرف على شعبكم فيجب ان تعتمدوا علينا لنوفر لكم المدخل اليهم .

فعلا اذا خلصت النوايا واقتنع الاسلاميون بضرورة التعاون مع العلمانيين وتقديمهم الى جماهيرهم على أنهم دهريون لا يؤمنون باليوم الأخر ولا بالجنة والنار ويجب أن نترك محاسبتهم في هذا الجانب لله سبحانه تعالى ونحاسبهم في الأرض على أعمالهم . وبادلهم العلمانيون بالتعريف بالاسلاميين على انهم مؤمنون بالقيم الاسلامية وباحترام الآخر ولا يجب النظرة اليهم على انهم رجعيون كونهم يؤمنون بقوى غيبية . لقلنا فعلا ان بلدنا سيمشي نحو المستقبل بخطى واعدة شاء من شاء وأبى من أبى .

اقرأ:

كامل عباس: لمن ستكون الغلبة في اتفاق كيري – لافرف ؟ للطبقي أم للإنساني؟





Tags: محرر