د. يحيى العريضي: عورة (أوباما) الداخلية، وتساقط أوراق التوت

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

أضحى مألوفاً أن سياسة الرخاوة أو اللافعل لإدارة أوباما، تعمداً أو اختياراً او اضطرارا، تجاه القضية السورية- إرسالاً من قبلها واستقبالاً من قبل الآخرين- وخاصة روسيا بوتين؛ حيث أثبتت أنها الأكثر مساهمة تدميرية في كارثة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

وبما أن السياسة في أمريكا بمجملها تأخذ من الداخل منطلقاً وبوصلة لها؛ حيث أهمية أية قضية خارجية تُقاس بمدى تأثيرها على الداخل أو الأمن القومي الأمريكي (والفاعل بذلك منظومة “اللوبي” /مجموعات الضغط/) فإن إدارة اوباما اشتغلت على برمجة الرأي العام الأمريكي مستفيدة من خوفه وامتعاضه من سياسة بوش الابن وخاصة غزوه للعراق وتبعات ذلك. إضافة إلى ذلك، سعت هذه الادارة إلى تصوير القضية السورية كمسألة غاية في التعقيد بعيدة عن الارض والمصالح الامريكية. ساهم الإعلام الأمريكي في هذه البرمجة؛ وخاصة ان أمريكا تضع يدها على ثلاثة أرباع إعلام العالم وتقاناته؛ فلا تمر رسالة إعلامية في كوكبنا إلا عبر المخدمات الأمريكية او ما يدور في فلكها تقنياً. كانت جرائم نظام الأسد تمر كالنعاس أحياناً لا يشعر بها أو يستشعرها أحد.

أطياف هذه السياسة الرخوة قصدياً أو بدون تخطيط؛ لم تبق محصورة في الداخل الأمريكي، بل تعدّته الى الخارج لأنها ببساطة عملية مُعدية؛ فالجسد الذي تجاوز عداده المئة وثلاثين دولة والذي أطلق على نفسه “أصدقاء سورية”، لم يبق منه أكثر من دزينة يُطلق عليها الآن دول الـ (ISSG) “المجموعة الدولية لدعم سورية”، مسقطاً لعبارة “أصدقاء” لأنها غدت محرجة  بغياب التأثير، وبالتغييب المقصود من قبل إدارة أوباما؛ أحياناً إكراماً لروسيا، حيث كان بعضهم محرِجاً لها (وخاصة فرنسا وبريطانيا) وأحياناً رغبة من إدارة أوباما ذاتها، التي ربما لا تريد لهم الإطلال على ما تخفيه تجاه القضية السورية، حتى لو ظهرت بمظهر المتنازل أو اللامؤثر.

عندما يتعلق الأمر بالمعارضة، التي أُطلقت عليها مختلف التسميات وعُوملت بمختلف الطرق المهينة، فإن إدارة اوباما تعاملت مع كل مَن له علاقة بالملف السوري باللين  والدبلوماسية الرخوة/ حتى مع المجرمين الداعمين لنظام القتل/ إلا ان تعاملها مع المعارضة شجع الآخرين على قلة التقدير والاعتبار؛ فكان ما سُمي بالاصدقاء ليس لها وانما عليها؛ والفاتورة دم السوريين وعذاباتهم. كثيرة هي المرات التي تلقت فيها “المعارضة” التهديدات والضغوطات. فبدلاً من أن يركض الأخرون وراء أنقى وأطهر ثورة بتاريخ البشرية، ترى من صُنِّفوا على يافطتها يهرولون وراء من له قيمة ومن يفتقدها حتى. لا أحد على سبيل المثال يمكنه نسيان ذلك الاجتماع للمعارضة بقيادة “الجربا” في البيت الأبيض ؛ ولا ان ينسى توصيف السيد اوباما لتلك المجموعة باستهزاء وسخرية. وإذا ما تمعّن المرء بأحد بنود الاتفاق الامريكي-الروسي الأخير، والمتعلق بفرز مقاتلي المعارضة؛ فإنه سيجد فيه أفضل وصفة للبعثرة والتشرذم وحتى احتمالية الاقتتال الداخلي.

الأغرب من كل المواقف لإدارة اوباما هذه هو موقفها تجاه روسيا بوتين التي تحمل ملفات خطرة وقذرة تجاه شعبها ومحيطها والعالم. لا أحد يستطيع التكهن  بما يدور في ذهن هذه الإدارة تجاه بوتين لترمي بين يديه ملفاً كارثياً كالملف السوري ليزيده كارثية. البعض ربما يسأل : وهل إدارة أوباما في وارد زيادة الحرائق لتفعل هكذا فعلة؟ وهل قامت بذلك عن سابق إصرار وتصميم؟ وهل بتخطيط تريد أن تُشبِع غرور بوتين بإعطائه قيمة كحالة فاعلة في السياسة الدولية لأغراض في نفس أوباما أو مَن وراءه؟ وهل لدى هذه الادارة شك بأن الاتحاد السوفيتي ذهب إلى غير رجعة، ولكنها تريد الوأد النهائي له عبر سحب بوتين المغرور الى المستنقع الدوم السوري؟

كان لموقف وسلوك إدارة أوباما الرخو واللامبالي واللامسئول وحتى –برأي البعض- المتآمر على الشعب السوري- التأثير الأكبر على مسلك نظام الأسد. آخر تجليات تصرف إدارة اوباما كان عملها سراً الاسبوع الماضي على وقف تشريع في الكونغؤس الأمريكي يقضي بإنزال عقوبات على نظام الأسد ومن يدعمه في قتل شعبه إذا هم استمروا بارتكاب جرائم حرب تجاه السوريين. ضغوطات البيت الأبيض حالت دون تمرير المشروع. الذريعة التي ساقها البيت الأبيض- كما نقلت الواشنطن بوست- “عدم تمرير العقوبات كي لا يتأثر وقف اطلاق النار الذي وقعه كل من “كيري” و”لافروف”. مَن مرر للنظام القاتل ارتكابه جرائم حرب باستخدام السلاح الكيماوي، كان سهلاً عليه أن يصادر إرادة النواب الأمريكيين ليحمي نظام الأسد. ولتغطية على الفعل العبثي المتآمر مع القاتل، لا ينفك المسئولون الأمريكيون عن التصريح بان الأسد غير شرعي ويجب أن يرحل… جعجعة بلا طحين؛ أول العارفين بها هو الاسد مما يجعله يزيد بتغوّله بدماء السوريين، وكأنه يقرأ خطوطهم الحمر ضوءاُ أخضر لمزيد من القتل والتدمير. قال البعض عند استخدام بوتين للفيتو لحماية النظام من العقاب إنه لو لم يقم بوتين بذلك، لاضطر أوباما إلى استخدام الفيتو. البعض يتكهن اليوم ان البنود السرية في اتفاق “كيري-لافروف”، والذي تطلب روسيا ابتزازياً كشفه، يتعلق بموافقة إدارة أوباما على بقاء الاسد صراحة الآن؛ ولكنها لا تريد ذلك أن يكون علنياً.

مسلك هذه الادارة يستلزم تقديم إجابات وتفسيرات- ليس للشعب السوري المسكين، الذي يعتبر ان أمريكا شريكة بما حلّ به- ولا للعالم، الذي يعتبر أمريكا قائدة العالم الحر والقوة العظمى في العالم؛ بل للشعب الأمريكي والتاريخ الأمريكي الذي تتسبب هذه الادارة بتمريغ شرفه بالدم السوري. حتى لو كان الأمر يتعلق بإسرائيل -مدللة أمريكا- وبوضوح حاجة إسرائيل لهذا النظام ورغبتها ببقائه – التي لم تعد خفيّة- لا بد لادارة اوباما من تقديم شروحات لهذا الموقف المشين الذي لا يستنزف الحياة السورية بل يهدد السلام العالمي. تكشفت العورة تماماً؛ كل أوراق التوت تساقطت؛ بما في ذلك ورقة كيري أو جيري  أو…

اقرأ:

د. يحيى العريضي: هل وقفت ارجوحة الدم؟





Tags: سلايد