واشنطن بوست: ألمانيا.. أرض المهاجرين الموعودة تغلق أبوابها

واشنطن بوست: ترجمة صحيفة التقرير

وصل قطار الخامسة وثماني دقائق المتجه إلى ميونيخ إلى محطة سالزبرج المركزية، وصعد أربعة رجال شرطة على متن القطار.. كانت هذه حملة تمشيط للبحث عن اللاجئين، وتحرك رجال الشرطة مسرعين بين الركاب ذوي البشرة البيضاء، وطرحوا بعض الأسئلة على مجموعة من السياح السعوديين ومكسيكي أمريكي من شيكاغو.

وفي المقعد الأخير في العربة الأخيرة، عثرت الدورية على شاكرة سرواري.. تمسك الأم الأفغانية، التي قضت ستة أشهر على الطريق من قندهار التي مزقتها الحرب، بابنها ذي السبعة عشر شهرا، وتجلس طفلتها ذات السبعة أعوام بالقرب منها، بينما ترقب الضباط بنظرات متوترة.. إنهم الآن على بعد محطة واحدة من وجهتها النهائية: ألمانيا، أرض اللاجئين الموعودة.

لكنهم لم يصلوا بعد -وبعد وصول أكثر من مليون وافد في العام 2015، أصبح الترحيب الألماني باردا- وفي الحقيقة، فإن الحملة التي تمسك بهم على الحدود تجعل عبور هؤلاء اللاجئين أكثر من أي نقطة أخرى منذ تصاعد الأزمة العام الماضي، وأكبر دليل كما يقول البعض هو أن أزمة اللاجئين في أوروبا تثير ردود فعل غاضبة لدى الناخبين، وحتى ألمانيا السخية تغلق أبوابها بهدوء.

قال أحد الضباط، الذي يحمل إذنا من النمساويين بإيقاف المهاجرين على القطارات المتجهة إلى ألمانيا: “جواز سفرك من فضلك”.. ردت سرواري بنظرة متوسلة، ويدين فارغتين.

    الشرطة الألمانية على متن قطار في سالزبرج، بالنمسا، في حملة تمشيط للبحث عن اللاجئين. (أنتوني فايولا/واشنطن بوست).

فسأل الضابط ببطء: “إلى أين تذهبين؟”.. أمسكت سرواري بتوتر غطاء رأسها الوردي. وبين ذراعيها طفلها يتلوى وينتحب، وكانت طفلتها مرتعبة وعلى وشك البكاء: “إلى ألمانيا”، أجابت سرواري “إلى ألمانيا”.

هز الضابط رأسه، وقال: “سوف تضطرين إلى المجئ معنا”.

وفي سبتمبر عام 2015، بينما كان اللاجئون يقتربون من أوروبا، أطلقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعهدا مذهلا.، فقالت إنه في مواجهة الحروب التي تشتعل في الشرق الأوسط، “ليس هناك حد” لعدد اللاجئين الذين ستستقبلهم ألمانيا.. هذا الوعد -إضافة إلى بعض أكثر الامتيازات الممنوحة للاجئين سخاء في العالم- جعل من الدولة التي أشعلت الحرب العالمية الثانية جنة لطالبي اللجوء.

لكن هذا بدأ في التغير. فمنذ شهر مارس، تسببت الضوابط الأكثر صرامة في دول البلقان واليونان وتركيا في تقليل أعداد الوافدين الجدد بشكل كبير، لكن مئات المهاجرين -ومعظمهم من سوريا والعراق وأفغانستان وإفريقيا- ما زالوا يحاولون دخول ألمانيا.

لكن الدولة التي استقبلت اللاجئين العام الماضي بأعداد أكبر من أوروبا كلها مجتمعة، تجعل الدخول إليها أكثر صعوبة، ففي أغسطس، رفضت ألمانيا دخول 1070 من المهاجرين، البالغ عددهم 2300 مهاجر – أو 46% منهم – حيث استوقفتهم على جانبها الحدودي مع النمسا. بينما يناير، عندما كانت أعداد الوافدين أكبر بكثير، تم إرجاع 7% فقط منهم.

أما الآن، بقلة أعداد الوافدين، كما يقول مسؤول ألماني، تسمح لهم بالتدقيق الشديد مع المهاجرين وتطبيق القوانين التي تهدف إلى استبعاد المهاجرين الاقتصاديين والانتهازيين، لكن النقاد يقولون إن هذه السياسة مجحفة جدا، وأن هناك احتمالية كبيرة بأن يتم حرمان أشخاص مؤهلين للحصول على اللجوء في ألمانيا من فرصة التقدم، وجزء كبير من الوافدين الحاليين لديهم بالفعل أسر في ألمانيا، ويحاولون لم شمل عائلاتهم.

لكن رسالة ألمانيا للمهاجرين واضحة: الأمر لم يعد سهلا أبدا.

وقال كارل كوب، المتحدث باسم مجموعة إغاثة المهاجرين “برو أسايل”: “الواقع في ألمانيا اليوم مختلف عن الحكايات الخيالية للاجئين العام الماضي”.

ويحدث هذا، بينما تغرق ألمانيا في مئات الآلاف من طلبات اللجوء المتأخرة، فقد أنفقت العام الماضي 5.91 مليار دولار على المساعدات والسكن، أي أكثر من ضعفي نفقات 2014. وأصبحت المواجهة العنيفة التي حدثت بين المهاجرين والألمانيين المنتمين لليمين، آخر علامة على التوترات المتصاعدة. ويحقق الألمان في 60 قضية تتعلق بتآمر مهاجرين مع مسلحين إسلاميين.

وربما العامل الأكثر أهمية هو: أن الاتحاد الديموقراطي المسيحي، الذي تنتمي إلى المستشارة الألمانية، يعاني خسائر سياسية حادة بسبب موقفه من اللاجئين، ما تسبب في خسارته على الأرض في سلسلة من الانتخابات المحلية، وتصويت الناخبين للمناهضين للهجرة، قبل عام واحد فقط من ترشح ميركل لإعادة انتخابها. وبعد خسارة مريرة أخرى في برلين الليبرالية، اعترفت ميركل بأن هذا كان خطؤها.

“لو كنت استطيع، لأعدت الوقت إلى الوراء لسنوات وسنوات، لكي أتمكن من إعداد نفسي والحكومة كلها وكل المسؤولين من أجل الموقف الذي نتعرض له بشكل غير متوقع في أواخر صيف 2015″، قالت ميركل.

ترفض ألمانيا الآن أكثر من ثلث طلبات اللجوء للموجودين على أرضها بالفعل، وتحاول التفاوض بشأن إعادة اللاجئين بشكل جماعي إلى دول مثل أفغانستان. حتى أن وزير الداخلية حاد النبرة، توماس دي مايتسيره، أشار إلى أن ألمانيا تريد إعادة كثير من اللاجئين إلى اليونان المفلسة، حيث دخل معظمهم أوروبا للمرة الأولى من هناك.

في مدينة سالزبرج الجميلة -مسقط رأس موزارت التي تحولت إلى بوابة رئيسية لألمانيا بالنسبة لللاجئين- تفعل الشرطة الألمانية ما هو أبعد من ذلك، فمنذ يوليو الماضي، صعدت الشرطة على متن القطارات للقبض على المهاجرين غير الشرعيين بموافقة من النمسا، ويتم اعتقال بعض المهاجرين لفترة في السجون النمساوية، ومنح معظمهم مهلة 14 يوما لمغادرة البلاد أو التقدم بطلب لجوء إلى النمسا، لكن بعضهم يتم إرجاعه من قبل النمساويين إلى إيطاليا أو سلوفينيا.

وكل هذا، كما يقول مراقبون، هو جزء من إغلاق أوروبا أبوابها.

وبينما كانت الشرطة الألمانية تخرج شاكرة سرواري من القطار، انهارت طفلتها، سيتايش، التي كانت ترتدي حذاء ورديا وملابس مطبوع عليها صورة “فروزن”، من البكاء. وكانت سرواري تحاول، بينما تمشي في الصالة المزدحمة ويحيط بها رجال الشرطة ويحدق فيها الركاب، تحاول تهدئة طفلها الباكي.. فقد كانت تقول بصوت منخفض: “صه، صه”، بينما تحمل محمد بين ذراعيها.

وأجلست الشرطة ثلاثتهم داخل غرفة مزودة بجهاز حاسوب، وتحتوي على بعض المكاتب والمقاعد الخشبية ومقعد خلف سياج جزئي. ذهبت خلف السياج بصحبة رجل شرطة، حيث قام بتفتيشه تفتيشها عابرا. وقد امتثلت بهدوء عندما طلب منها خلع حجابها. وبكى محمد بينما كانت الشرطة تأخذ بصمات والدته.

وكما طلب منها، قامت بإفراغ ممتلكاتها على طاولة – كان أهمها حقيبة بلاستيكية تحتوي على بضع مئات من اليورو، هي كل ما تبقى لديها. وقد أحمرّ وجهها عندما تم تقديم وثيقة بلغتها الأم، البشتونية، تفيد بأنها قد تم منعها من دخول ألمانيا، وطلب منها التوقيع عليها. وقد أخبرت المترجم فيما بعد، أنها لا تقرأ ولا تكتب.

ومن خلال الترجمة الهاتفية، تمكنت من التواصل مع الشرطة، وأخبرتهم أن زوجها كان بالفعل في ألمانيا وكانت تحاول اللحاق به.

قالت: “أريد أن أذهب إلى ألمانيا”، ورد عليها أحد رجال الشرطة قائلا: “لا يمكنك الذهاب. بسبب القانون الأوروبي”. وقيل لها إنه سيكون عليها البقاء في النمسا.

قالت وهي تهز رأسها: “لا أريد أن أبقى هنا. زوجي في ألمانيا”.

لم تتوقف طفلتها عن البكاء. و نظر أحد رجال الشرطة الألمانيين، ويدعى هورست أورباخ، إلى طفلتها بعطف وأعطاها كوبا من الماء.

وفي غضون ساعات، تم تسليم الأسرة إلى الشرطة النمساوية. وقد أخذت شرطية صارمة ترتدي قفازات بلاستيكية سرواري لتفتيش أكثر دقة. وبعدها، قضت الأسرة ليلتها في مركز شرطة سالزبرغ الرئيسي.

وفي صباح اليوم التالي، وكما يحدث مع معظم اللاجئين الذين يتم توقيفهم من القطارات، تم إصدار أمر بمغادرتها البلاد أو طلب اللجوء إلى النمسا. بعض السياسيين النمساويين يشكون من أن الشرطة الألمانية يتركون كثيرا من اللاجئين على أعتاب النمسا – بالرغم من أن النمسا أيضا تحاول إعادة بعض اللاجئين إلى إيطاليا وسلوفينيا. ويقول مسؤولون في فيينا أنهم هم والألمان يحاولون الالتزام بالقانون الأوروبي.

لا يزال من غير الواضح مدى كفاءة الإجراءات الألمانية في إحباط المهاجرين، فجميع المهاجرين في سالزبرج يتم إيقافهم. ولكن في الشمال، على المعابر الحدودية الأخرى، ينجح عدد أكبر من طالبي اللجوء في عبور الحدود الألمانية، حيث يقرر الضباط الألمان ما إذا كانوا سيقومون بإعادتهم. ويتم رفض واحد من كل اثنين تقريبا. ويتم اتخذا القرارات، وفقا لمسؤولين، على أساس كل حالة على حدة.

وبينما كانت سرواري تستعد لمغادرة قسم الشرطة، قالت إنها ليس لديها خطة. لم تكن تتحدث الألمانية أو الإنجليزية. ولم تكن تعرف من أي طريق تذهب.

وقالت بإصرار: “لقد قطعت كل هذه المسافة بمفردي، مع أطفالي، وسوف أذهب إلى ألمانيا”. “سوف أنجح في إيجاد طريقي.

اقرا:

واشنطن بوست: كيف أصبحت حلب رمز الضعف الأمريكي؟