on
د. عامر القوتلي: رسالة الأمن المائي من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط (مبادرة الموارد والسلام)
د. عامر القوتلي: كلنا شركاء
ˮ قال مستشار رئيس الوزراء الباكستاني للشؤون الخارجية سرتاج عزيز إن الهند لا تستطيع إجراء أي تعديل في اتفاقية تقاسم مياه الأنهار المشتركة الموقعة بين البلدين، أو إلغاء هذه الاتفاقية. وأن باكستان سترد بقوة على أي محاولة من جانب الهند إزاء وقف مياه الأنهار المشتركة، وستعد ذلك بمثابة إعلان الحرب من جانب الهند.“
يمكن أن يختصر الخبر بأن الحرب الباردة حول الأمن المائي قد تلهب الرؤوس النووية بين الدولتين حيث تهدد الهند (بلد المنبع) بالتوسع ببناء السدود على الأنهار المشتركة مع باكستان.
بعيدا عن دهاليز الصحافة وسراديب السياسة والأروقة الدبلوماسية يبدو للباحث والمهتم بقضايا الموارد المائية أن القضية تعود بشكل عميق الى أزمة إستنزاف مواراد بالدرجة الأولى. مهما حاول السياسيون تجاهلها او الالتفاف عليها من خلال إقحام ملفات ساخنة تتعلق بإقليم كشمير. حيث أن الدخول بمتاهة نظريات الجدل السياسي والصراع حول هذا الإقليم الواقع في صميم “محرقة جيواستراتيجية ثلاثية” (بين الهند والصين وباكستان) يكاد لا ينتهي وخاصة عندما يجتاحها مدخلات الإنتماء الديني ذو الأغلبية المسلمة (أكثر من %90 من السكان).
أما إذا إخترنا النظر إلى الأزمة بمنظار الأرقام فيكفي أن نعلم بأن اتفاقية تقاسم المياه المشتركة بين الهند وباكستان تعود لستينات القرن الماضي ..خلال نصف قرن إزداد فيه تعداد سكان باكستان من 45 مليون نسمة تقريبا سنة 1960م إلى 182 مليون نسمة تقريبا سنة 2013م ، بينما انفجر تعداد سكان الهند من 500 مليون نسمة تقريبا سنة 1960م الى مليار و 250 مليون نسمة تقريبا سنة 3201م .
بمعنى أن ما يقارب سدس (6/1) سكان الأرض تم إضافة استهلاكهم واحتياجاتهم من موارد المياه على مصادر الإقليم التي بدورها تتأزم يوما بعد يوم كما وكيفا ، وهذا رقم فلكي مرعب يعادل أكثر من 12 ضعف التعداد السكاني الحالي لمصر!.
أضف إلى ذلك أنه من وجهة نظر جيوإستراتيجية فإن ثلاثة من ستة أنهار باكستانية تنبع من إقليم كشمير أهمها نهر السند الذي ينبع من هضبة التبت بجبال الهملايا ويصب في بحر العرب .
فهل يمكن للعاقل الذهاب بعيدا بتناول النظريات المؤدلجة على أسس دينية وعرقية وقومية لصراع كشمير متجاهلا تلك الحقائق والأرقام التي تدل بوضوح على دور سوء إدارة الموارد الطبيعية في خلق الأزمات وتأجيج الصراع ؟!
نعم، لدينا منظمات دولية مختصة تبذل جهودا دولية لتفادي الصراع حول موارد المياه من خلال تشريع القوانين وعقد الاتفاقيات، ورغم أن اتفاقيات المياه بشكل عام تصاغ بشكل يراعي المرونة لتتكيف مع احتياجات وظروف البلدان المتشاطئة ولكنها لم تصاغ مطلقا بشكل يضمن استيعاب نتائج الكوارث الطبيعية الغير مسبوقة كالإنفجارالديموغرافي بالهند و غيرها من الدول الآسيوية!
للمفارقة فإن تاريخ الصراع بين الهند وباكستان حول إقليم كشمير يعود إلى سنة 1947م مما يشير إلى أن واقع الصراع بمنطقة الشرق الأوسط ليس باستثناء زماني ولامكاني في هذا العالم، مما يغري أيضا بالاطلاع على الانالوجي والكرونولوجي (التزامن والتشابه) بين قضايا جنوب آسيا والشرق الأوسط من منظور الموارد الطبيعية وعلاقتها بالصراع، فعسى أن أن ينبع من خلال ذلك رسالة حكمة تصب في بحر من إحتياجات الشرق الأوسط لمواجهة التحديات المقبلة!.
للأسف، النهج العام في جنوب آسيا (بإقليم كشمير) يحاكي ماهو سائد في الشرق الأوسط من حيث تبني أيديولوجيات مبنية على أسس دينية وعرقية وقومية إما تحرض على الإقتتال أو توحي ببدائل تسوية ترتكزعلى أرضية التقسيم. ولم يتم حتى اليوم تشخيص الإنفجار الديموغرافي وسوء إدارة الموارد الطبيعية كجذور للصراع ولم يتم طبعا العمل على معالجتها.
لكن بالمحصلة رسائل الشعوب تطفو على السطح ولا يمكن تجاهلها إلى الأبد، ومن الأجدر بالأنظمة والدول المتجاورة أن تدرك أهمية تطوير آليات من التعاون والاستثمار والتخطيط المشترك فيما بينها من أجل استيعاب واستدراك المستجدات الطارئة على التوازن بين مواردها الطبيعية واحتياجاتها المتزايدة بدلا من تحكيم الاتفاقيات القديمة أو الجري في ماراتون التسلح أو التهديد باللجوء إلى الصراع المسلح الذي من شأنه تفعيل إستخدام الأسلحة الإستراتيجية المدمرة، في حين أن جل ما تحتاج إليه الشعوب هو الماء والسلام.
اقرأ:
د. عامر القوتلي: لمحة عن دور الامن المائي في بناء الشرق الأوسط الجديد
Tags: محرر