يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. الإعتقال (9/7)

يونادم يونادم: كلنا شركاء

سرعان ما ظهر اسم (مازن الحماده (ضمن قائمة المعتقلين في دير الزور، وكان اثنان من إخوته مطلوبين أيضًا بالإضافة إلى صهره. في أحد أيام مارس 2012 طلب طبيب من (الحمادة) أن يقوم بتهريب حليب خاص للأطفال إلى امرأة في داريا ٬ وهي ضاحية من ضواحي دمشق تعيش في حالة ثورة، فقام (الحماده) هو وأبناء اخوته بجمع 55 علبة من لبن الأطفال وخبأوها تحت ملابسهم ٬ ثم سافر ليقابلها في مقهى، ولكن ما ان سلّم (الحماده) الأكياس حتى قيده عملاء الأمن هو وأبناء إخوته وغطوا وجوههم بقمصانهم ودفعوهم داخل ميكروباص. يقول (الحماده) : “لم يكن لديَّ فكرة عن وجهتنا.. طوال الطريق كانوا يقولون لنا سنعدمكم”.
بعد أن جرى نزع كافة ملابسهم باستثناء الملابس الداخلية قام رجال الأمن بضربهم ورميهم في زنزانة تبلغ مساحتها ما يقرب من 12 متراً مربًعا، ويوجد بداخلها 40 سجيناً آخر ٬ وقد علمنا أنهم في فرع المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري أحد أكثر مراكز الاعتقال شهرة بسوء السمعة في البلاد.
بعد أسبوعين تم توزيع المساجين بين ثلاثة مهاجع صغيرة ٬ كل منها أطول قليًلا من 12 متراً وبعرض 7 أمتار،
يتكدس داخل كل منها مائة وسبعون شخصًا ٬ تلتف أذرعهم على سيقانهم ويميلون بذقونهم على ركبهم. قال لي (الحماده) : “أنت تتعفن.. ليس هناك هواء ولا شمس ٬ أظافرك طويلة لأنك لا تستطيع قصها ٬ لذا فعندما تحك نفسك تنزع جلدك”. لم يكن
المساجين يستطيعون أن يستحموا أو يغيروا ملابسهم الداخلية. وغطت أجسادهم تقيحات من الجرب وأمراض جلدية أخرى.
عبر البلاد يشرب المحتجزون بشكل دوري من مياه المراحيض ويموتون من الاختناق والأمراض. قال (الحماده): “أصيب أشخاص بالجنون… ويفقدبعضهم ذاكرته ويفقد آخرون عقلهم” ٬ في النهاية تم نقله إلى زنزانة انفرادية تقاسمها مع عشرة أشخاص.
في أحد الأيام تم جر (الحماده) وهو معصوب العينين إلى غرفة أخرى للاستجواب. بدأ رئيس قسم الاستجواب الذي كان (الحماده) يعرفه باسم (سهيل) في التأكد من هوية (الحماده) (كان بعض المواطنين يعُتقلون ويعُذبون بالصدفة ٬ أسماؤهم تشبه أسماء آخرين في القائمة). عندما طلب (سهيل) معلومات عن نشطاء المعارضة الآخرين الذين التقاهم في دمشق تردد (الحماده)، فبدأ التعذيب، “في البداية كانوا يستخدمون السجائر.. كانوا يطفئونها على ساقيَّ”. رفع ساق بنطلونه الجينز حتى الركبة وأراني أربع ندوب دائرية على ساقه اليسرى وخمًسا على اليمنى. كانت هناك حروق على فخذيه أيضًا. كما ألقوا مياهاً عليه وصعقوه بأسلاك ومهامز. لإيقاف التعذيب أعطاهم (الحماده) أسماء أصدقاء ماتوا بالفعل في دير الزور.
كانت الأسماء هي البداية فقط. سأله (سهيل) : “كم شخصًا قتلت من الجيش العربي السوري؟”. كان (الحماده) قد اعترف بالفعل أنه ينظم احتجاجات ويرفع فيديوهات على اليوتيوب ويتحدث مع الصحافة الأجنبية. قال: “كان التحدي هنا هو كيفية تأليف قصة عن كيف قتلت هؤلاء الناس؟” كانت يداه مقيدتين إلى أنبوبة قرب السقف. يقول: “كانت قدماي على بعد حوالي نصف متر من الأرض لذا كان كل ثقلي على معصمي… كنت أشعر أن القيود تفعل فعل المنشار، انها تقطّع يديَّ. بقيت لمدة نصف ساعة ثم بدأت في الصراخ، ولأني استمريت في الصراخ فقد دفعوا بحذاء عسكري في فمي وقالوا لي: عض هذا الحذاء كي لا تصرخ”. كانت هذه الطريقة في التعذيب مستخدمة في أغلب المعتقلات السورية الخاصة بالأمن الاستخباراتي بتنويعات مبتكرة. كانت معاصم الكثير من المحتجزين تربط خلف ظهورهم قبل تعليقهم منها، وكان البعض يبقى معلقاً لأيام ٬ وآخرون حتى يتوقفوا عن التنفس. قال مساعدو (سهيل) ل (الحماده) إنه إذا اعترف بحمل السلاح سيتم إطلاق سراحه. لم يعترف فكسروا أربعة من ضلوعه. عند تلك النقطة ذكر أنه كان مسلًحا ببندقية صيد فأنزلوه. ولكن (سهيل) أراد أن يتضمن الاعتراف كلاشينكوف كي تناسب التهمة مع الإرهاب. رفض (الحماده)، وتابع: “نزعوا عني ملابسي الداخلية وأحضروا إبزيًما خاصًّا بالسباكة مثل الذي يستخدم في ضبط الضغط في الخراطيم. “وضعوه على قضيبي وبدأوا في تضييقه” قال (الحماده) إن (سهيل) سأله حينها: “هل ستعترف أم أقطعه؟” وافق (الحماده) على أنه كان يحمل كلاشينكوف فأطلق سهيل الإبزيم. وسأله عن عدد مخازن الطلقات التي كان (الحماده) يحملها معه. فتسأل (الحماده): “كم مخزناً تريد أن يكون بحوزتي؟” ولكن (سهيل) ذكره أنه يجب أن يعترف وحده فقال (الحماده): “لديَّ خمس رصاصات”. لم يكن ذلك
كافياً. قال له (سهيل): “أريد ان تذكر مخزن رصاص”. وتصاعد التعذيب حتى أقرّ (الحماده) بكل شيء سألوا عنه.
خلال مئات المقابلات مع شهود وجدت لجنة العدالة ان هناك نمطًا سائًدا في أساليب التحقيق عبر جميع فروع أجهزة الأمن. كان الناس يحتجزون تبًعا لسياسة (خلية الأزمة). وبالإضافة إلى تحديد “أهداف جديدة” كانت الأجهزة تتشارك في نتائج تلك المقابلات. كان المحتجزون يعيشون في ظروف غير إنسانية لشهور أو سنوات وبمعزل عن النظام القضائي.
ولا تخدم الاعترافات على ما يبدو أي أغراض خاصة بجمع المعلومات ٬ ولكنها تعطي مظهًرا قانونياًّ لعملية الاحتجاز. يمكن
أن يتم اتهام النشطاء ضد الدولة بجرائم جادة بعد اعترافهم بجرائم عنيفة ٬ وإذا أدينوا يمكن أن يبقوا في السجن لسنوات. كما
أنها تساعد على استمرار وهم المؤامرة الواسعة ضد سورية بينما يعترف المحتجزون باشتراكهم في التحريض أو الإرهاب.
كان للوحشية وقعها على المحققين أيضًا. في حالة واحدة على الأقل ترجى أحد المحققين معتقًلا أن يعترف بأي جريمة كي
يستطيع التوقف عن إيذائه. قال (كريس إنجلز) من لجنة العدالة: “كان رأيهم إلى حد كبير أن عليهم الإتيان بنتائج… كانت العواقب لعدم أدائهم وظيفتهم بشكل جيد حقيقية، وكانت هناك أدلة لما حدث لأولئك الذين تساهلوا في أداء مهامهم “. كان السطر الأخير في سياسة الاستهداف الخاصة (بخلية الأزمة) يأمر رؤساء الأفرع الأمنية ب “موافاة مكتب الأمن القومي دورياًّ بأسماء العناصر المتخاذلين”، وانتهى الأمر ببعضهم في زنزانة (الحماده).
بعد عدة أشهر وقف (الحماده) وابن أخيه (فهد) في طابور لكي يضعا بصمات اصابعهم على تقريريهما. تصور (الحماده) أن التقريرالخاص به يتضمن اعترافاً. لم يكن يعرف لأن قراءة التقرير لم تكن متاحة. وقف فتى يبلغ من العمر سبعة عشر عاًما خلف (الحماده) و(فهد) في الطابور. عندما علم الحراس أنه من داريا ٬ ضاحية دمشق ٬ دفعوه إلى الأرض. جلب أحدهم مشعلاً للحم المعادن وحرق الفتى “من هنا إلى هنا” ٬ قالها (الحماده) وهو يرسم بإصبعه خط فكه. “ثم أداروه وحرقوا رقبته وظهره بالكامل…ثم وجهه أعني انه كان يحترق، كان يذوب”.
دمعت عينا (الحماده) واحمرتا وهو يتذكر هذه الواقعة، خانه صوته وبكى بيأس. حاول لمدة يومين هو وبقية المساجين في المهجع معالجة جروح الفتى وهو يموت. عندما أتى الحراس لاستعادة الجثة صرخ (الحماده) بهم، ورًدا على موقفه هذا علقوه من معصميه لعدة ساعات. قال لي: “أنت تريدهم أن يقتلوك على أي حال لكي تخلص من كل ذلك. أنت منهك من التعذيب. منهك من النوم ومن الصحو ومن الحياة كل يوم”.

اقرأ:

يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. الأوامر (9/6)



Tags: سلايد