on
عمر كوش: امتدادات الانخراط العسكري التركي في سورية وتبعاته
عمر كوش: الحياة
قد يكون من المبكر القيام بجردة حساب للانخراط العسكري التركي في شمال سورية، عبر عملية «درع الفرات» التي انطلقت في 24 آب (أغسطس) الماضي، لدعم فصائل من الجيش السوري الحر في السيطرة على شريط حدودي، يبدأ من مدينة جرابلس ويمتد نحو 100 كيلومتر باتجاه بلدتي الراعي وأعزار، وبعمق يصل إلى نحو 50 كيلومتراً باتجاه مدينتي منبج والباب.
غير أن تتبّع امتدادات هذا الانخراط العسكري، وتلمّس تبعاته، يظهران أنه تجسد في عملية متدرجة، تمكن من خلالها مقاتلو الجيش الحر من السيطرة على جرابلس، وقدموا مثلاً في سرعة التحرك، وكانوا منضبطين في تصرفاتهم حيال السكان وأملاكهم، وساهموا في تأمين عودة الراغبين من أهلها، ثم تمكنوا لاحقاً من الوصول إلى مدينة الراعي وانتزاع السيطرة على مناطق واسعة من تنظيم «داعش»، ثم بدأت المرحلة الثالثة منذ نحو أسبوع، بهدف الوصول إلى مدينة الباب وطرد عناصر «داعش» منها.
ونظراً الى الحسابات والتدخلات الدولية، خصوصاً الأميركية، لم تتقدم فصائل الجيش الحر المسنودة من دبابات وطائرات التركية، إضافة إلى عناصر من الوحدات الخاصة التركية، باتجاه مدينة منبج، نظراً الى خضوعها لسيطرة عناصر ما يعرف باسم «قوات سورية الديموقراطية»، التي تشكل عمادها «وحدات حماية الشعب» التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (PYD) في سورية، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني (PKK) في تركيا، الذي تعتبره أنقرة تنظيماً إرهابياً، وتخوض ضد مقاتليه معارك طاحنة في جنوب الأناضول وجنوب شرقه.
وأعلن الانخراط العسكري التركي في سورية مرحلة جديدة في الحرب، تحوّلت فيها تركيا من موقع المراقب الحذر إلى موقع الفاعل المؤثر، حيث أظهرت أزمة إسقاط طائرة السوخوي الروسية، وعدم وفاء الولايات المتحدة بوعدها عدم السماح لقوات حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي بالعبور إلى منطقة غرب الفرات، أن من غير المجدي البقاء في موقف المراقب، وضرورة الانتقال إلى مرحلة الفاعل، فلجأت تركيا إلى انعطافة سياسية لافتة، مكّنتها من إطلاق عملية درع الفرات، التي حدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أهدافها بالقول إن «القوات التركية ستتقدم إلى النقطة التي يمكن معها تحقيق الأمن لتركيا، الذي يشكل أهم أولوياتها»، وهذا يعني إزالة خطر «داعش»، ومنع تشكيل كيان أو دويلة لحزب الاتحاد الديموقراطي على حدودها الجنوبية، تمهيداً لإقامة منطقة آمنة على مساحة خمسة آلاف كيلومتر مربع، تخضع لسيطرة فصائل من الجيش السوري الحر، وتصير ملاذاً للاجئين السوريين. لكن ليس سهلاً إقناع الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي بأهمية إنشائها، على الأقل في المنظور القريب، مهما كانت المبررات التركية.
غير أن الانخراط التركي الذي سرّع مجريات الأحداث، كان تحت شعار «الحرب على الإرهاب»، والحفاظ على وحدة سورية، وذلك ضمن تفاهمات مع كل من روسيا وإيران، وقبول الإدارة الأميركية، التي أمنت للعملية التركية إسناداً جوياً من التحالف الدولي، الذي تقوده في الحرب على» داعش». لكن الانخراط في مكافحة الإرهاب لا يمنع ظهور تبعات تؤثر في علاقات القوى الفاعلة والمتصارعة في سورية، الأمر الذي ينذر بدفعها إلى التوتر والتناقض، وتحقّق ذلك – كمثل ليس وحيداً – في رفض بعض فصائل الجيش السوري الحر وجود القوات الأميركية الخاصة إلى جانبها، نتيجة دعمها وحدات حماية الشعب، التي تحتمي بالعلم الأميركي، لكن مرد الرفض ليس ذلك فقط، بل هو منطق الفصل الديني، غير المبرر، وتبعاته السلبية حتى على علاقة هذه المجموعة بأفراد الجيش التركي نفسه.
وإذا كان الانخراط العسكري التركي تمّ بالتحالف مع فصائل من الجيش السوري الحر، إلا أن هذه الفصائل مختلفة المشارب والولاءات الأيديولوجية، خصوصاً مع إعلان «حركة أحرار الشام» مشاركتها في عملية «درع الفرات»، ودعم فصيل «جيش الإسلام» لها، الأمر الذي يطرح أسئلة حول تبعات دخول مثل هذه الفصائل في العملية العسكرية التركية، التي تؤمن قوات التحالف الدولي إسناداً جوياً لها، ومع الحاجة إلى عناصر مقاتلة إضافية في المرحلة الثالثة من عملية درع الفرات، الهادفة إلى انتزاع مدينة الباب وريفها من سيطرة «داعش»، وهو أمر لن يكون سهلاً، لأنه يستلزم السيطرة على منطقة دابق، التي تمتلك رمزية خاصة لدى مقاتلي التنظيم، ولدى مقاتلين آخرين أيضاً.
ويبدو أن تركيا لا تعول كثيراً على مشاركة حركة أحرار الشام في دعم عملية درع الفرات، فالجيش التركي يحشد أكثر من أربعين ألف مقاتل عند الحدود المقابلة لمنطقة الباب، ومعظمهم من الوحدات الخاصة ذات التدريب العالي والتسليح الحديث. إضافة إلى أن أحرار الشام محط جدل دولي حيال تصنيفها، الأمر الذي يحرج الحكومة التركية، خصوصاً مع الروس الذين يسعون إلى وضعها ضمن لائحة «المنظمات الإرهابية»، لذلك أعلن المسؤولون الأتراك في أكثر من مناسبة، أن انخراطهم العسكري ليست له مطامع في الأرض السورية، بل يهدف إلى تأمين وحدة سورية، أرضاً وشعباً، ضمن قيم الديموقراطية والعلمانية ومبادئها، التي تضمن تمثيل جميع أطياف الشعب السوري، إضافة إلى أن تركيا تريد أن تشكل نواة الجيش السوري الحر وفق روح هذه القيم والمبادئ، في حين أن حركة أحرار الشام ورصفاءها بعيدة كل البعد عن هذه القيم والمبادئ، إلا إذا كان في إمكانها القيام بمراجعة عميقة وجذرية، تفضي إلى تبنّي أهداف الثورة السورية والجيش الحر، وهو أمر مستبعد في الوقت الراهن على الأقل.
وتلوح في الامتدادات المحتملة للانخراط العسكري التركي، التحضيرات لمعركة انتزاع مدينة الرقة من تنظيم «الدولة»، حيث تستعد فصائل من المعارضة السورية لتشكيل «تجمع درع الفرات»، بدعم تركي، ويتكون في شكل أساسي من مقاتلي تل أبيض والرقة ودير الزور والحسكة، ومجموعات أخرى من الجيش السوري الحر. وهناك تكهنات بأن تبدأ عمليات عسكرية من منطقة تل أبيض مروراً ببلدة عين عيسى وصولاً إلى الرقة، بغية قطع الطريق على مقاتلي حزب الاتحاد الديموقراطي، المتهمين بارتكاب انتهاكات وتهجير بحق العرب والتركمان في مناطق سيطرتهم، فضلاً عن انتهاكاتهم بحق الغالبية العظمى من الأكراد السوريين الذين يدّعي حزبهم تمثيلهم وحمايتهم ويتحدّث باسمهم.
وترفض الحكومة التركية مشاركة وحدات حماية الشعب في أي عمل عسكري في الرقة، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية ما زالت تعوّل على هذه الوحدات من أجل محاربة «داعش»، على رغم التفاهم بين الرئيسين الأميركي والتركي خلال قمة العشرين الماضية في بكين، الأمر الذي حذا بأردوغان الى الرد على المسعى الأميركي بالقول: «إن كنتم تعتقدون أن في إمكانكم القضاء على داعش بواسطة وحدات حماية الشعب الكردي وحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، فلن يكون هذا ممكناً، لأنهما جماعتان إرهابيتان أيضاً».
ويبدو أن الانخراط العسكري التركي المتزايد في سورية، يقتضي بناء تفاهمات إقليمية ودولية متينة وواضحة، لأن امتدادات هذا الانخرط وتبعاته محكومة بها، وفي هذا السياق جاءت زيارة رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف أنقرة، ولقاؤه نظيره التركي خلوصي أكار، لتقييم الوضع في سورية. ولا شك في أن محادثات أخرى تجريها القيادة العسكرية التركية مع نظيرتها في الولايات المتحدة، بغية الوصول إلى توافقات مشتركة، خصوصاً أن القيادة التركية تعتزم تشكيل جسم عسكري جديد، بهدف إطلاق عملية مشابهة في شرق نهر الفرات، للسيطرة على مدينة الرقة.
ذلك كله محكوم بالتفاهمات التي يمكن أن تتوصل إليها تركيا مع الدول المنخرطة في القضية السورية، نظراً الى أن مستجدات الصراع في سورية وعليها، متسارعة ومتغيّرة، بعد انهيار الاتفاق الروسي – الأميركي، ومضي روسيا والنظام الأسدي ونظام الملالي الإيراني وميليشياته في الإمعان والتغول في الدم السوري، وتحويل حلب إلى مدينة شهيدة.
اقرا:
عمر كوش: إلى أين تتجه عملية (درع الفرات) التركية؟