on
كرم يوسف: ممثليات الفيدرالية الكردية السورية في الخارج..قشة تتكئ على قشة
كرم يوسف: كلنا شركاء
الممثلية الأخيرة التي قامت الإدارة الذاتية الكردية في سوريا بافتتاحها في العاصمة الهولندية أمستردام تعد الأحدث بالنسبة لها بعد أخريات تم افتتاحها في كل من ستوكهولم، موسكو، برلين، باريس، و الأولى كانت قد شهدت مدينة السليمانية بأقليم كردستان في 15 آب من العام الفائت 2015 افتتاحها. الممثليات تأتي كمحاولة من الإدارة التي تحولت فيما بعد إلى “فيدرالية روج آفا –شمال سوريا” في 17 آذار من العام الحالي إلى كسب بداية اعتراف دولي ولو من خلال مكتب تمثيلي يقوم بالربط بينها وبين العالم الخارجي حتى وإن لم تستطع القيام بالتمثيل الرسمي أو القنصلي، لأنه ولا شك تتطلب هذه الحالة اعترافاً رسمياً دولياً في البداية بهذه الفيدرالية .
مايمكن إلى الآن الاستناد عليه من مسؤولي حزب الاتحاد الديمقراطي PYD في الهدف القريب من افتتاح هذه الممثليات يمكن اختصاره في ما قاله ممثل الحزب خالد عيسى في فرنسا في كلمة له بعد افتتاح الممثلية في باريس رغم أنها إلى الآن لم تقم بهذا الدور حيث قال حينها:” إن افتتاح الممثلية يأتي في إطار تطوير علاقات الإدارة الذاتية الديمقراطية مع فرنسا بما تمثله الممثلية من مصالح المواطنين في روج آفا”.
كنت شاهداً في مدينة القامشلي حينما قام أنصار الـPYD باقامة أول دورية للمرور لمدة لاتزيد عن عشرين دقيقة، وذلك في شارع قناة السويس، ووضع برميلين ملونين بأعلامهم، حيث كان يتم الطلب من السائقين من قبل عناصر الدورية عرض هوياتهم الشخصية لا أكثر دون أي إعاقة لحركتهم ، تداول أهالي المدينة حينها الخبر بمشاعر مختلفة، بعضهم كان يعلق ضاحكاً، آخرون استهجنوا، آخرون تأملوا أن تكون دورية المرور هذه بداية لأحلامهم المؤجلة منذ آلاف السنين في بناء وطن، الدورية التي كانت أول محاولة لتنظيم حياة الناس من قبل أنصار الـPYD، و لم يحمل القائمون عليها حينذاك أي سلاح سوى العصي، ولم يجمع بينهم أي زي مشترك.
بطبيعة الحال بدأ قبلها أنصار الحزب بإعادة بناء قواعدهم وتنظيم صفوفهم أكثر بعد سنوات من اضطهادهم نتيجة اتفاقية أضنة والتي بموجبها عادت حالة الوفاق بين كل من سوريا وتركيا، وكان من ضمن شروطها محاربة حزب العمال االكردستاني وأنصاره، وقيام كل بلد بتسليم عناصر الحزب بحسب جنسياتهم إلى الطرف الآخر، بعد أن تمت المطالبة من زعيم العمال الكردستاني بمغادرة سوريا ومن ثم إلقاء القبض عليه في كينيا في العام 1998
بدأ الحزب بالانتشار أكثر في الساحة الكردية وسط تساهل وتعاون من قبل النظام السوري حسب مناوئين للحزب، ووسط تغيير موازين القوى بحسب أنصاره، في 19 تموز من العام 2015 شهدت المناطق الكردية في سوريا تحولاً كبيراً مع انسحاب النظام من المناطق الكردية، حيث تمكن الحزب إلى هذا التوقيت من بناء قوة عسكرية بدأت أرقامها تتخطى الآلاف بالإضافة إلى بناء مؤسسات أمنية وسياسية واقتصادية وثقافية.
عرف الحزب التعامل مع المتغيرات والاستفادة من كافة التطورات التي تحصل في المنطقة في البداية بين سوريا وتركيا، و امتد التعامل مع هذه المستجدات لاحقاً ليصل الحزب إلى التواجد في الساحة الدولية والتمكن من عرض نفسه كحليف قوي لأمريكا في الحرب ضد داعش، واستطاع في نفس الوقت ان يمد جسور صلة قوية مع روسيا التي باتت حليفاً لايقل أهمية عن أمريكا، بل يمكن القول أن ثمة تعقيدات كبيرة مرت في المشهد السوري وكان من الصعب أن تفهم ومن بينها طرح الاتحاد الديمقراطي نفسه حليفاً لقوتين متصارعتين في سوريا.
مع استمرار الحرب في سوريا وعدم قدرة النظام السوري الحفاظ على نفس الحجم من القوة بدأ الـPYD بسياسة جديدة في التعامل معه، حيث رغب في فرض شروطه الخاصة في مناطقه على النظام، بعد أن كانت العملية عكسية، وكانت معركة الحسكة آب الفائت إحدى جولات فرض هذه الشروط، حيث لم تقف قوات حماية الشعب YPG و حماية المرأة YPJ المعركة إلا بعد تدخل الروس على الخط الساخن ، وبذلك بدأت مرحلة أخرى في عملية التعاطي من جهة بين حزب الاتحاد الديمقراطي PYD والفيدرالية الناشئة -التي يعد الحزب واضع حجر الأساس لها – و الـYPG والـYPJ -وهي قوة دفاع الفيدرالية-، وقوات سوريا الديمقراطية التي يعد الـYPG والـYPJ عمودها الفقري، وبين النظام السوري من جهة أخرى.
ما مر من تجارب مع الـ PYD وهو يشق طريقه إلى وجود صعب على الساحتين السياسية الكردية والسورية تكللت لا شك بعضها بنجاح مرهون بمستقبل شكل سوريا الإداري، وبعضها لايزال يحاول الاستمرار فيها كمشروع ربط الشريط الحدودي مع تركيا والمدن الكردية بعضها ببعض وهو ما بسببه بدأ الهجوم البري التركي على جرابلس، ودخلت تركيا للمرة الأولى برياً في سوريا بعد أن سبق ذلك طلب اعتذارات تركية متكررة من روسيا إلى أن وافق الرئيس الروسي بوتين على لقاء أردوغان بالإضافة إلى سعي أردوغان ووزرائه إلى إعادة تطبيع العلاقة مع النظام السوري. تركيا التي تدخلت على الأرض لمنع قيام أي كيان كردي بعد أن أحست باقتراب اكتماله ، تلعب دوراً كبيراً في عدم اعتراف رسمي دولي بممثليات فيدرالية روج آفا في الخارج، فتركيا تعلم أن ربط المدن الكوردية السورية ببعهضا سوف يجدد من أحلام وطاقة أكثر من 25 مليون كودري على الطرف الآخر من الحدود تخوض هي معهم منذ عشرات السنين صراعاً مسلحاً وسياسياً دون أن تستجيب لمطالبهم.
الممثليات التي قامت فيدرالية شمال سوريا روج آفا بافتتاحها في الخارج لاتزال كما طموحات أصحابها في الداخل وعلى الأرض في ألا تذهب أدراج الرياح، حيث أن العلاقة الطردية بين الاعتراف الدولي بالفيدرالية من عدمه يزيد من الاعتراف بهذه الممثليات من عدمه، ففيما لو استطاعت فيدرالية روج آفا انتزاع اعترف دولي فستتحول تلك الممثليات بشكل سريع إلى قنصليات ومن الممكن قبل أن يطلب ممثلو الفيدرالية من الدول الأخرى افتتاح سفارات جديدة لها فيها فستقوم تلك الدول بعرض هذا الطلب على المسؤولين في هذه الفيدرالية، وفي حال فشلت تجربة الفيدرالية على الأرض فإن هذه الممثليات ستتحول إلى مجرد مكاتب من الممكن أن يقوم أصحابها أنفسهم بإغلاقها.
توجد ثمة معطيات على الأرض يمكن التعامل معها وهي أنه توجد إرادة أمريكية أوربية في التعامل مع هذه الفيدرالية لأنها حليف ناشئ وملتزم، ولايملك شروط حليف منافس في المنطقة ويفرض أوامره كتركيا، لاسيما بعد موجة اللاجئين التي هددت بها تركيا أوربا، وكلف ذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي ويعرض وحدتها إلى الآن للخطر، ناهيك عن أنه لاتزال الكثير من الدول الأعضاء في الاتحاد تدفع ضريبة تلك الموجة العنيفة من اللاجئين، كل هذا بالإضافة إلى الخلافات التاريخية بين كل من الطرفين، أما أمريكياً فإن الخلاف الأمريكي التركي على العديد من القضايا وآخرها المتعلق بالانقلاب الذي حدث في تركيا، وعدم موافقة امريكا إلى الآن على تسليم الداعية فتح الله غولن الذي تتهمه تركيا بأنه مخطط الانقلاب، يعزز احتمال استمرار العلاقة بين الطرفين إلى منحىً أسوأ، ناهيك عن وصول العلاقة إلى منحىً خطر وعلى لسان الرئيس التركي الذي خيّر امريكا بين بلده كحليف وبين الـYPG بعد فشل كل المفاوضات الدبلوماسية في الخفاء.
هناك ايضاً مايجعل آمال الكرد في سوريا تكبر في استمرار التحالف مع أمريكا لاسيما تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما في بداية حكمه بأنه لن يرسل جنود بلده مرة أخرى إلى معارك في الخارج مما يجعل من الـYPG جنوداً أمريكين فعليين يقتضي تلبية مطالبهم السياسية أيضاً، ولاشك أن خليف/ة اوباما غير قادر على فعل مافعله سلف أوباما في إرسال جنود أمريكيين إلى الخارج، هذا يقتضي استمرار التعامل مع الـYPGكشريك فعلي، خاصةً أن هذه القوات اليوم ضمن تحالف مع قوى سورية عربية وتركمانية تحت مسمى ” قوات سوريا الديمقراطية ” التي يجعل منها بديلاً من الجيش الحر لمساحات واسعة في سوريا والذي لن يكون في مقدوره مجدداً النهوض حسب المعطيات الموجودة لاسيما مع ازدياد قوة جيش الفتح.
بطبيعة الحال الاستفسارات الكردية في سوريا إزاء مستقبل العلاقة مع كل من أمريكا وأوربا لاتزال قائمة وتعتريها المخاوف أكثر مع كل تصعيد تركي، لأنه من المحتمل أن يكون جوهر هذه العلاقة الجيدة مع الـYPG هو وجود تنظيم داعش، وبعد القضاء عليه لن يكون هناك من داع لها لأن يدهور من علاقتهما مع حليف قوي كتركيا. كل هذا في مقابل عدم إعطاء وعود علنية سياسية إلى الآن للـPYD أو لكورد سوريا .
يعتبر الكرد أنفسهم دائماً قريبين من الغرب أو أنهم لايزالون يؤمنون في أن مرة ما سيتمكنون في الحصول على هذا القرب والاستمرارية في نجدته لهم، هم يتأملون هذا و يتذكرون في نفس الوقت المرات الكثيرة التي تخلى فيها عنهم سواء في تركيا أو إيران أو العراق ، وفي كل مرة يزداد إيمانهم بأن الغرب لايرى أي قضية إلا من خلال مصالحه، ولكنهم يتوقعون أنه في هذه المرة تقاطعت مصالحه معهم وهذا مالم يحدث إلى الآن . ربما الإرادة الدولية التي تتضح شيئاُ فشيئاً في عدم إبقاء دول قوية في الشرق الأوسط من خلال دعم الشعوب الساعية لبناء أوطانها الخاصة بها تمثل تلك القشة التي يضطر الكرد إلى تعليق نفسهم بها، القشة هي نفسها التي ستجعل من ممثليات فيدرالية روج آفا حقيقة أو ماضياً منسياً.
اقرأ:
كرم يوسف: اتفاق على العداء بين تركيا وأوربا
Tags: محرر