د. حبيب حداد: مسؤولية النخب الفكرية والسياسية في استمرار واستفحال المأساة السورية

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

بعد انقضاء أكثر من اربعة عقود على قيام نظام الإستبداد الشمولي الحالي انتفض الشعب السوري يستعيد ذاته المغيبة ويحرر ارادته المصادرة ويبني مستقبل اجياله في حياة حرة كريمة تتأمن في ظل دولة ديمقراطية عصرية ,تقوم على تكريس مبدأ المواطنة الحرة المتياوية دون اي تمييز أو اقصاء أو تهميش . وخلال السنوات التي مرت على انطلاقة هذه الإنتفاضة التي كان السوريون يأملون ان تواصل صيرورتها في الإتجاه الصحيح الذي أرادوه لها , في ان تكون مشروع ثورة وطنية تحررية حقيقية تنقل بلدهم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا الى مستوى العصر  , وتعيد لبلدهم دوره القيادي المعهود على صعيد قضايا الأمة المركزية وعلى صعيد قضايا الحرية والعدالة والسلام في العالم أجمع . خلال هذه الفترة جرت تحت جسر الوضع السوري واختلطت مياه كثيرة ,وتتالت الأحداث والتطورات والتحديات النوعية التي لم نكن ,نحن السوريين  وبخاصة نخبنا الفكرية والسياسية – ولنعترف بذلك – نتوقعها أو نحسب لها حسابا . نعم لم نكن لنتوقعها  ولم يكن لنا يد بالصورة التي جاءت عليها ولذا لم نهيئ مستلزمات الاستعداد الكافي لإحتمال مواجهتها . ذلك اننا لم نكن نقدر او نعي ان مسار كل حركات التحرر في العالم لا بد ان يكون مسار صراع محتدم بين عوامل ذاتية واخرى موضوعية ايجابية الفعل والمردود تصب في مصلحة انتصار تلك الحركات وتحقيق اهدافها , وبين عوامل أخرى ذاتية وموضوعية سلبية تعمل على اعاقة ذلك المسار واجهاض تلك الإنتفاضات .

في مقدمة تلك الأحداث والتطورات  التي لعبت دور الأسباب الرئيسية التي اسهمت في وصول سورية الى المحنة الوجودية التي تعيشها اليوم , والتي لم يعد يجادل في نتائجها الخطيرة حتى اشد دعاتها السابقين والمروجين لها,الذين استفاق وعيهم المتأخر وصحا ضميرهم الوطني هذه الأيام , عسكرة الحراك الشعبي السلمي ومن ثم أسلمته وتطييفه , بعد ان تم تدويله وتشويه هويته الوطنية الحضارية , بحيث اصبح مصير وطننا بل ومصير منطقتنا كلها بحدودها الجغرافية وكياناتها السياسية الحالية رهن الصراعات والتوافقات الدولية.

كيف وصلنا الى هذه الحال ؟ وهل كان قدرا مكتوبا ان تنتهي انتفاضة شعبنا من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية الى ما نحن عليه اليوم بحيث لم تعد القضية الأولى والحيوية  الراهنة المطروحة على شعبنا قضية التحرر من الاستبداد والقهر والاستعباد والانتقال الى حياة العصر بل اصبح الخيار المطروح امامه  يتركز في الحفاظ على مصير ووجود وطنه بالذات , الذي تتهدده العودة في ظل قوى الارهاب والتكفير الى حياة ماقبل القرون الوسطى وتمزيق وطنه الى امارات متشرذمة ومتناحرة ,وليس من قبيل المبالغة اطلاقا اذا قلنا ان هذا المصير الذي تمثله قوى الارهاب المسلحة المتناحرة اذا قدر لها ان تستمر لن يكون الخطر الوجودي لسورية فحسب ,وانما للانسان السوري نفسه , الذي تحمل كل صنوف الحرمان والمهانة والاذلال والذي شردت نصف اعداده في مختلف بقاع المعمورة على أمل ان تتوقف في امد قريب فصول هذه المأساة فيعود الى بيته ودياره ووطنه .!!! .

عندما نتحدث عن مسؤؤلية كل الأطراف والقوى التي عملت على اجهاض انتفاضة شعبنا ودفعت بلادنا الى هذا المنعطف الخطير الذي تمر به اليوم فلا يعني ذلك اننا نتقصد اغفال الدور الذي قام به كل من تلك القوى والأطراف , ولكن من منطلق المنهج العقلاني الموضوعي الذي نحاول دوما ,و بقدر ما يسمح به وعينا التمسك به , والذي نعتقد انه الأسلوب الوحيد الذي يمكن لنا باستخدامه اجراء مراجعة تقييمية شاملة لمسار السنوات الماضية من عمر انتفاضة شعبنا وصياغة الرؤية الصحيحة وبرنامج العمل المطلوب  لانقاذ وطننا مما يتهدده الآن من اخطار استثنائية وتحديات وجودية , من منطلق هذا المنهج نركز دائما على اولوية الأولويات في واقعنا الدامي والمشتت وهو استعادة دور شعبنا المغيب , واستعادة القوى الحية في مجتمعنا وفي مقدمتها نخبنا الفكرية والسياسية لمسؤولياتها في توحيد برنامج عملها والوصول الى الصيغة المناسبة في تأطير جهودها كي تعبر فعلا عن ارادة شعبها في مواحهة نظام الاستبداد والفساد وقوى التكفير والارهاب وكي تكون مؤهلة لقيادة  عملية الانتقال الديمقراطي الشامل نحو الغد المنشود .

ومما يؤرق ضمير كل مواطن سوري حر وهو يتابع في كل يوم اخبار المجازر والجرائم التي ترتكب في كل مدن وبلدات وطنه من قبل نظام الاستبداد ومن قبل قوى الارهاب على مختلف تسمياتها هو تغييب العامل الذاتي اي تغييب صوت شعبه وتعطيل دوره في تقرير مصيره , وتغييب دور هذا المواطن السوري للقيام بواجبه المطلوب في معركة المصير الوطني !!! .

لقد غيب دور الشعب السوري طوال السنوات الخمس الماضية واسكت صوته وحيل بينه وبين المجتمع الدولي والرأي العام العالمي  .وذلك من خلال تشكيلات المعارضة المصطنعة والمركبة من قبل الجهات والأطراف الإقليمية والدولية , تلك التشكيلات التي غطت هوية المنظمات الإرهابية وتحالفت معها ولم تقم الا بدور الأدوات التنفيذية للأجندات الدولية ومن حيث المحصلة العملية فقد اكملت تلك التشكيلات التي اعطت لنفسها مشروعية تمثيل الشعب السوري ,اكملت مهمة النظام التي انجزها طوال العقود الاربعة الماضية في مواصلة تدمير سورية والوصول الى المأساة التي تعيشها اليوم .

هل يمكن امام الواقع التراجيدي الذي انحدرت اليه اوضاع بلادنا اليوم , للنخب الفكرية والثقافية والأحزاب والحركات السياسية الوطنية ان تنهض لتحمل مسؤولياتها مستوعبة دروس وعبر السنوات الماضية فتلتقي في مؤتمر وطني عام تؤسس فيه لمرحلة نوعية جديدة في واقعية رؤيتها وصواب برنامج عملها كي تكون في المستوى المطلوب الذي يؤهلها كي تعبر بصدق واستقلالية عن ارادة شعبها في الحلول الدولية المطروحة او التي يمكن ان تطرح بشأن ما أصبح يسمى الآن بالمسألة السورية !!! .

ونحن اذا كنا نركز دائما على اولوية دور ومسؤولية النخب الفكرية والسياسية في معركة الانقاذ والتنمية والبناء الوطني التي تواجهها بلادنا الآن فاننا نستند في ذلك على معطيين موضوعيين وهما أولا ان كل حركات التحول الديمقراطي في عصرنا وبخاصة في ربع القرن الأخير القيت قيادتها على عاتق تلك النخب , وثانيا اننا اذ نتفق ونؤكد على المسؤولية القيادية والمرحلية لتلك النخب الفكرية والسياسية فليس لنا ان نتوقع منها ان تقوم بالدور الذي يفترض القيام به في ظروف عادية  لو كان يعيشها مجتمعنا ,لكننا ندرك حدود وطبيعة هذا الدور المنتظر منها آخذين بعين الإعتبار الظروف الصعبة التي مرت بها وما تزال  ,ظروف الكبت والسجون والتشرد والإضطهاد والتشرذم والحرمان في ظل النظام القائم , هذا الوضع الذي يلقي بدوره مسؤؤليات اضافية على هذه النخب في ان تجدد بنائها الفكري ووعيها السياسي وسلوكها العملي بما يستجيب لمهمات الواقع المحلي والدولي المتطور على الدوام  .

وسعيا من النخب الفكرية والسياسية السورية لكي تتجاوز واقعها الحالي , واقع الغياب والتغييب , وواقع العطالة والترقب والإنتظار املا في توفر ظروف افضل كما تعتقد كي تبادر لتحمل مسؤولياتها , الأمر الذي بدأت تدرك انها  ,اي تلك الظروف لن تأتي في غيابها ,نرى من المناسب هنا ان نعود للتذكير ببعض جوانب القصور والخلل التي اتسمت بها رؤية ومواقف وممارسات نخبنا الفكرية والسياسية ,والتي نحن بطبيعة الحال جزء منها , طوال السنوات الماضية  .

لا شك ان في مقدمة تلك الجوانب التي ادت الى كل تلك الحصائل السلبية افتقاد تلك النخب الى الوعي المطلوب والرؤية السياسية الصحيحة فجرى الخلط باستمرار بين المفاهيم من جهة والمهمات الانتقالية المطروحة من جهة ثانية  وهكذا ظلت هذه النخب تخلط بين ماهيات  كل من السلطة القائمة والنظام الحالي و بنيان الدولة ومؤسساتها وتجسد ذلك في خطابها القاصر عموما عندما كانت تطرح مهام مرحلة التغيير والتحول الديمقراطي .

من جهة اخرى فان معظم نخبنا الفكرية والسياسية لم تكن تميز بين مشروع الإنتقال والتحول المجتمعي الديمقراطي الموحد ,الذي يجسد تطلعات شعبنا بكل مكوناته, وبين الأداة الضرورية لتحقيق هذه الغاية وهي الوحدة الوطنية الصلبة كي لا ينجر كفاح شعبنا الى الوقوع في مطبات الفتن والحرب الأهلية المذهبية المدمرة . ولعل اشنع الخطايا التي ارتكبها العديد من نخبنا اشخاصا وهيئات هو تسابقها الى الانخراط في اجندات الدول الخارجية وما ترتب على ذلك من تدويل قضيتنا الوطنية وارتهان قرارنا المستقل .

وكان امرا طبيعيا بعد ارتكاب كل هذه الأخطاء والخطايا ان يحرم الشعب السوري طوال السنوات الماضية من وجود تلك الهيئة المؤقتة التي تعبر بكل وعي وصدق عن حقوقه المشروعة , اضافة لذلك كله ذلك الخطاب الديماغوجي الشعبوي الذي تسلحت به معظم نخبنا وخاصة تشكيلات المعارضة الخارجية التي سلمت امرها للدول والأطراف المرتبطة بها ,ذلك الخطاب الذي اعلن الحرب وما يزال على المجتمع الدولي ,وادان الدول التي تتحكم اليوم بأوضاع منطقتنا بانها لم تقم بما طلبناه منها ,وذلك في تجاهل تام لطبيعة السياسات الدولية التي توجهها مصالح كل طرف فيها قبل اي شيئ أخر !!!.

وبعد فهل يدوم قهر الإستبداد ويتواصل ظلام الارهاب  طويلا فوق ربوع وطننا , ام يحق لنا ان نظل نتزود بقبس من التفاؤل الموضوعي . بان نخبنا الفكرية والسياسية ستستجيب باسرع مما نتوقع الى نداء التاريخ فتكون ولوفي ربع الساعة الأخير في مستوى مسؤولياتها المطلوبة.

اقرأ:

د. حبيب حداد: حلب الشهباء تستصرخ الضمير الإنساني





Tags: محرر