on
محمد زاهد غول: أكثر ما يهم تركيا فيه هو بقاء الأراضي السورية موحدة.. الاتفاق الأمريكي الروسي من وجهة نظر تركية
محمد زاهد غول: القدس العربي
وقع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف بتاريخ 9/9/2016 اتفاقاً يهدف إلى إرساء هدنة بين جيش بشار الأسد وفصائل المعارضة، وبالرغم من الصعوبات التي واجهت الاتفاق قبل توقيعه، فإن ما واجهه بعد توقيعه أصبح أكبر، فتبادل الاتهامات من كل طرف للآخر بانتهاك الاتفاق متواصلة، وروسيا تهدد أمريكا بنشر البنود السرية للاتفاق، وأوباما يقول: «إن الحل العسكري في سوريا مستحيل، وأن روسيا تريد استعادة أمجادها بالقوة»، في تعليقه عما يجري من عمليات عسكرية بعد توقيع الاتفاق، وهذا موقف يعبر عن عدم رضا أمريكي عن السلوك الروسي في سوريا، وإذا أخذ بعين الاعتبار رفض وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون للاتفاق، فإن الاتفاق بحكم الميت، ولكن لا اتفاق أو لا رغبة في إعلان موته، وبالأخص أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قال للأمير محمد بن نايف ولي العهد السعودي في نيورك قبل يومين: «إن روسيا لم تعد تسيطر على بشار الأسد» بسبب مواصلته انتهاك الاتفاق، وفي خضم هذه التناقضات المتوقعة أعنلت الحكومة التركية عن التأييد العام لاتفاق وقف إطلاق النار أو الهدنة، لأنها تؤيد وقف اطلاق النار في سوريا، وبعد ذلك تتابع ما يجري من تطورات وتفاصل لما يجري، وهي تعلم أن بشار الأسد لا ولن يلتزم بأي بند من بنوده، أي أن الموقف التركي الأولي كان بإعلان الموافقة والترحيب.
لقد وصف كيري الاتفاق بأنه سيكون «منعطفاً مصيرياً» إذا التزم به، بينما قال لافروف إنه خلاصة «عمل ضخم»، وعند النظر في بنوده فإن أول ما يظهر أن الاتفاق عسكري محض، وقد تم تزيينه بقصة المساعدات الإنسانية لتمريره أمام الرأي العام، وبنوده المعلنة تؤكد ذلك فكيف بالبنود السرية أيضاً، وقد جاءت بنود الاتفاق مخادعة في ترتيبها، فقد جاء في البند الاول أن : «يمتنع النظام السوري عن القيام بأي أعمال قتالية في المناطق التي توجد فيها المعارضة المعتدلة، والتي سيتم تحديدها بدقة وفصلها عن المناطق التي توجد فيها جبهة فتح الشام»، وهذا ما لم يلتزم به جيش بشار الأسد في اليوم الثاني للاتفاق، وكذلك تم نقض البند الثاني الذي ينص على وقف كل عمليات القصف الجوي التي يقوم بها النظام، وبالتالي فإن الالتزام بالبند التالي الذي يلزم المعارضة السورية بالانضمام إلى اتفاق وقف الأعمال القتالية لا معنى له.
وكذلك تم تجاهل بند قوافل المساعدات الإنسانية وقد تعرضت قافلة منها لهجوم من قبل طيران الأسد وبدعم روسي، وكذلك إعلان جيش الأسد انتهاء مدة الهدنة من طرف واحد، ولكن كيري ولافروف لا يزالان يتمسكان بالهدنة إلى حين إعلان انتهائها من طرفهما فقط، فأطراف الصراع وحدها ليست مخولة في تقرير الهدنة، والبند الوحيد الذي وجد اهتماماً: هو «تأمين طريق الكاستيلو على ان ينسحب الطرفان شمالي مدينة حلب الذي يعتبر طريق إمداد رئيسي، وإيجاد منطقة منزوعة السلاح في محيطها»، فلم يتم التقيد به كما لم يتم الايفاء بالسماح بعبور المدنيين والمساعدات والحركة التجارية عبر منطقة الراموسة جنوب غربي حلب.
كان من المفترض أن يبدأ العمل بالاتفاق في 12 أيلول/سبتمبر 2016، وان تتم إقامة مركز مشترك للتحقق من تطبيق الهدنة، وأن تشمل التحضيرات تبادل المعلومات وتحديد مناطق وجود كل من جبهة النصرة والمعارضة، وأن يعتبر هذا التحديد «أولوية أساسية» ولا بد أن هذا التعاون العسكري هو ما أعاق القسم الأكبر من الاتفاق إن لم يكن سبب فشله، فأمريكا أتت بروسيا إلى سوريا لابتزازها فيها وليس لمعاونتها ولا إخراجها منتصرة، وروسيا ظنت أن أمريكا ضعيفة وعاجزة عن معالجة المشكلة السورية وحدها، وأن بينهما، أي بين روسيا وأمريكا هدفاً مشتركاً، وهو منع نجاح الثورة السورية، حتى لا تضطر أمريكا للخطوة التالية، وهي الإنقلاب العسكري على نظام ما بعد الأسد، كما فعلت في مصر على نظام ما بعد مبارك.
وهذا التصور الروسي بأن أمريكا لن تسمح بإسقاط الأسد ولا بإقامة حكومة سورية موحدة وديمقراطية هو تصور صحيح، لكنه لا يعني أن أمريكا سوف تساعد روسيا في تمكين الأسد أولاً، ولا السماح بانتصار روسيا ثانياً، ولذلك فهي لا تعمل أي اتفاق يؤدي إلى انتصار روسيا ولا إيران ولا بشار الأسد، وإنما تعقد الاتفاقيات تلو الاتفاقيات، والمؤتمرات بعد المؤتمرات، وبينها أشهر طويلة وسنين لاستدامة القتال والقتل، وحسب إحصائيات كيري نفسه قتل في سوريا حتى الآن أربعمائة وخمسون ألفا (450000) سوري تقريباً، وهذا خلال خمس سنين ونصف سنة تقريباً، وهذا عدد قليل بالنظر إلى وجود جيوش دولية كبيرة، مثل الجيش الروسي والجيش الإيراني وهي تبذل كل جهدها لتدمير كل مظاهر الحياة البشرية في سوريا، فضلاً عن المليشيات الطائفية القادمة من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان وغيرها، وقد أتت لحماية المراقد من القصف الروسي، فلا أحد يقصف المساجد إلا روسيا والأسد.
من الواضح أن أمريكا غير مستعجلة لوقف إطلاق النار في سوريا، ولا تعمل بجدية لحل سياسي فيها، وأن الخطوات السياسية سواء كانت مع روسيا أو مع غيرها لا تؤدي إلى تخفيف درجة الصراع، بل إلى زيادته، وما قصفها لمواقع لجيش الأسد في دير الزور ثم اعتذارها عن ذلك وعرضها لتقديم تعويضات لأهالي القتلى، ثم مشاركتها للطيران الروسي في قصف قوات داعش التي سيطرت على تلك المناطق إلا مراوغة واستراتيجية خاصة يقوم بها البنتاغون الأمريكي في سوريا لإدامة الصراع فيها، فلما كشف الروس ما جرى في دير الزور أضطرت أمريكا للإعتذار والتراجع والتغطية على ذلك، وهذه سياسة تدركها تركيا جيداً، وقد عانت منها في معارك عين العرب قبل سنتين، وربما عانت بشكل مشابه في الانقلاب الأخير الذي وقع في تركيا.
إن القيادة الروسية تسعى بكل إمكانياتها ومن خلال هذا الاتفاق لتثيبت سلطة بشار الأسد، وتظن أنها بذلك تأخذ مكاسب من المواقف الأمريكية التي كانت أول من أعلن عن فقدان بشار الأسد شرعيته منذ شهر تموز/يوليو 2011، ولكن أمريكا ومنذ ذلك التاريخ وهي تقدم له الدعم من خلال إيران وميليشياتها الطائفية العربية، وبعد إفلاسهم أتت بروسيا وجيشها، لأنهم أكثر قدرة على القصف والقتل والتدمير واستعمال الأسلحة المحرمة مثل القنابل الفوسفورية والعنقودية، ولكنها لا تدرك ان هدف أمريكا من ذلك هو مواصلة الحرب في سوريا، وليس تمكين روسيا من إحلال الحل السياسي الذي يضمن مصالحها، ولذلك لا أمل لهذا الاتفاق في النجاح، ولو كان لهم أمل لكان أولى أن ينجح الاتفاق الذي وقع في شهر شباط/فبراير الماضي، والذي أقرته الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فيما سمي اتفاق «وقف الأعمال العدائية» في سوريا، فالاتفاق مطلب روسي، ولكن أمريكا تبحث عن مخارج وخدع لتخريبه، لتذهب إلى اتفاق آخر يستغرق البحث عنه بضعة أشهر أخرى.
لقد انتقدت الحكومة التركية اتفاق شباط/فبراير 2016 الذي أعطى روسيا غطاءً دولياً من مجلس الأمن لقصف الفصائل السورية التي توصف بالإرهابية، ولكن يد روسيا بقيت مقيدة لسببين، الأول أنها بعد كل ما بذلت من قصف جنوني وقاتل ومدمر لم تسمع كلمة الاستسلام من المعارضة السورية، التي تظن إنها بهذه الطريقة الإجرامية تستطيع ان تفرض عليها الاستسلام، وأمريكا لا تمانع القصف الروسي مهما قتل ودمر، ولكنها لا تستطيع ان تضمن لروسيا استسلام المعارضة أيضاً، وفي ظن روسيا ان على أمريكا أن تضمن لها استسلام المعارضة، وهذا هو السبب الثاني الذي تظن روسيا أنه يقيد يديها، ولذلك تريد روسيا إلزام أمريكا بأن تقصف هي مواقع جيش الفتح معها، وعدم حصر القصف بالطيران الروسي، وهو ما ترفضه وزارة الدفاع الأمريكي البنتاغون، بل ترفض أن تقدم للجيش الروسي تعاوناً استخباراتياً في سوريا، وهذا ما تختلف عليه روسيا مع أمريكا الآن.
لقد اتهمت روسيا الحكومة التركية بتقويض اتفاق شباط لوقف الأعمال العدائية، وفتح ذلك على تركيا مخاطر هجمات من داعش وحزب العمال الكردستاني في الأشهر التي تلت ذلك، ليس من المستبعد ان تكون روسيا طرفاً فيها، ولذلك فإن تركيا وهي في حالة صداقة مع روسيا وتعلم ان الاتفاق هو في الأصل روسي، فإنها تؤيد الاتفاق في دوره العام وهو وقف إطلاق النار، وتترك مسألة تأثيراته السلبية المحتملة على الموقف التركي في سوريا للمعالجة اللاحقة وفق تطورات الأحداث، فالموافقة التركية لا تعني موافقة على كل تفاصيله ولا نتائجة السيئة على تركيا أو على المعارضة السورية المعتدلة، فالحكومة التركية تدرك أن الاتفاق يتضمن إعلان وقف إطلاق نار، ولكن فيه بنوداً لم يوافق عليها البنتاغون الأمريكي، وترفضه المعارضة السورية صاحبة الحق الأول في إبداء الرأي في الاتفاق كله.
إن أكثر ما يهم تركيا في هذا الاتفاق هو بقاء الأراضي السورية موحدة في ظل دولة ديمقراطية ولكل المواطنين السوريين، ولكن تركيا لا تستطيع حتماً منع التقسيم إذا سارت فيه الدول الكبرى ومجلس الأمن، ولذلك فهي تخطط لحماية حدودها الجنوبية وأمنها القومي قبل كل شيء، فإذا أصبح التقسيم هو الخيار الوحيد المطروح دولياً، فإن على تركيا أن تكون طرفاً دولياً يرفض أي خطر يمس الدولة التركية جراء تقسيم سوريا، وبالأخص في مسألة إقامة دولة كردية شمال سوريا، فالأكراد لا يمثلون وجوداً ديموغرافياً يسمح لهم بإقامة كيان كردي مستقل على كامل شمال سوريا اولاً، ولا يحق لهم حتى لو وقفت أمريكا إلى جانبهم فرض تطهير عرقي للسكان العرب والتركمان السنة من قراهم ومدنهم وأريافهم، ولذلك جاءت عملية «درع الفرات» لاستباق المخاطر التي تزرعها أمريكا شمال سوريا على الدولة التركية، فتركيا في عملية «درع الفرات» هي في حرب دفاعية في حدودها الجنوبية، ومن حق الشعب السوري العربي أن يدافع عن مناطقه شمال سوريا، وعملية «درع الفرات» تضمن للشعب السوري وفصائله المدافعة عنه الدعم العسكري اللازم، فالمشروع التركي شمال سوريا أقوى من المشروع الأمريكي، وبالأخص إذا تم حصر المشروع الأمريكي شمال سوريا في إقامة كيان كردي، بينما تسعى تركيا لإقناع امريكا بأن ذلك مستحيل، وأن تركيا على استعداد للقتال لحماية أمنها القومي، وليس من مصلحة أمريكا أن تخسر حليفاً مثل تركيا من أجل إقامة كيان كردي لا يقوى على الحياة أبداً، وبالأخص لأن تركيا تفاهمت مع روسيا على حقها في منع إقامة كيان كردي على كامل الشريط الحدودي الشمالي مع سوريا، لأسباب أمنية واقتصادية تتفهمها روسيا جيداً، ولأن مشروع الكيان الكردي الموهوم هو بهدف إقامة قواعد عسكرية أمريكية شمال سوريا.
اقرا:
محمد زاهد غول: أهداف الاتفاق الروسي الأمريكي في سوريا