وائل عصام: تحليل.. هل تستطيع النصرة وحلفاؤها إرباك أي اتفاق دولي للتهدئة في سوريا مستقبلا؟

وائل عصام: القدس العربي

النصرة وجند الأقصى وحلفاؤهما من الجهاديين كالتركستان والأوزبك يملكون قرار السلم والحرب في مناطق نفوذهم الأساسية.وإن تواجدت معهم فصائل صغيرة أخرى من الجيش الحر أو أحرار الشام، وهذا ينطبق على أدلب وريفها، وريفي حماة واللاذقية، ومعظم ريف حلب، بينما تتمركز في حلب المدينة وأجزاء من أرياف دمشق حمص ودرعا تلك الفصائل الاسلامية المصنفة بالمعتدلة، وتلك الموصوفة امريكيا بالمفحوصة كمجاميع الجيش الحر والكتائب المرتبطة بمجموعات الدعم الدولية، التي ستلتزم بالاتفاق الامريكي الروسي.

وهكذا، سيكون من الأسهل تطبيق أي اتفاق دولي (إن حصل) في مركزين كبيرين كريف دمشق وحلب المدينة، ولهذا يركز النظام على استعادة حلب الشرقية والغوطة الشرقية، كونهما أبرز كتلتين وازنتين خارج سيطرته في العاصمتين حلب ودمشق، وسيكون من الصعوبة بمكان إنفاذه في تلك المناطق التي يسيطر عليها الجهاديون، وهي أكثر اتساعا وامتدادا. ولعل هذا الفرز بين الفصائل المعتدلة المرتبطة بالمنظومة الدولية، وبين النصرة وجند الأقصى هو الهدف والسبيل الوحيد في الوقت نفسه لتطبيق الاتفاق الامريكي الروسي، كما اعلن.

ويبدو هذا الفرز والفصل متيسرا عموما، عدا المتعلق بأحرار الشام، حيث تنقسم الحركة ميدانيا لمجاميع ذات ميول جهادية أقرب للنصرة وكانت شريكا أساسيا لها في عمليات التحالف المسمى جيش الفتح، الذي حقق إنجازات عسكرية لافتة في ادلب خصوصا، وبدأت هذه المجموعات وقياداتها تعلن عن انشقاقها عن الحركة، بعد خلافها مع القيادة السياسية التي تميل لجانب القبول بالاتفاق الدولي، كونها اكثر قربا من الحكومات العربية الداعمة للمعارضة، إضافة لارتباطها الذي بات متينا بالسلطات التركية وسياساتها في سوريا. وقد تؤول الاستقطابات داخل حركة الاحرار بين المقربين من النصرة والموالين للإدارة السياسية، إلى انفصال مجموعات أكبر من الأحرار وانضامها للنصرة، وهو ما كان يجري العمل عليه قبل أسابيع فيما سمي بالاندماج، بينما ستتبقى في صفوف الاحرار المجموعات الخاضعة لامرة جناح لبيب النحاس والملتزمة بالتالي بالتفاهمات الدولية حول سوريا.

وبعد انهاء هذا الاستقطاب في احرار الشام، ستبدو الساحة وكأنها منقسمة تماما لفسطاطين، النصرة وحلفائها الرافضين للاتفاق الامريكي الروسي، ومجموعات الفصائل المعتدلة بقيادة الأحرار وفصائل حلب كالزنكي وغوطة دمشق وأبرزها جيش الاسلام وباقي مجموعات الجيش الحر الصغيرة المنتشرة في ريف درعا وحمص، وهذه الفصائل ستلتزم بالاتفاق وستفصل نفسها تماما عن النصرة وحلفائها، وهو ما يريده الامريكيون ويطالب به الروس. وبعد اتمام هذا الفصل، سنكون أمام مشهد مكرر لما حصل في العراق، وهو وقف لإطلاق النار والتنسيق بين قوات المقاومة السورية (كما حصل مع معظم كتائب المقاومة العراقية حينها بوساطة امريكية ايضا)، وبين قوات الحكومة بشكل أو آخر، وفي مرحلة لاحقة عملية دمج لهذه الفصائل المعارضة بين أجهزة الدولة العسكرية التي قال كيري والجبير وزير الخارجية السعودي علانية انهم يريدون الابقاء عليها مع مؤسسات النظام، وهكذا فإن فصائل المعارضة التي يجري فصلها الان عن الجهاديين، تجري تهيئتها لمهمة ضبط الأمن في مناطق المعارضة التي ستدخل في هدنة مع النظام كما هو مخطط، هذا إن لم يستبق النظام الأمر ويسيطر بقوته العسكرية على تلك المناطق، كما يحاول أن يفعل الآن في حلب المدينة وسيكرر ذلك في غوطة دمشق الشرقية وهو قاب قوسين أو ادنى من تحقيق ذلك. ولكن هذا لا يعني أن مهمة الفصائل المعتدلة ستكون سهلة في البقاء بمناطقها بمواجهة النصرة في حال تم إقرار الاتفاق الامريكي الروسي في النهاية، بل إن هذه الفصائل قد تنهار فورا أمام أي هجوم تشنه النصرة على مواقعها ومناطق سيطرتها، كما حصل مع اشقائها في كتائب جمال معروف وكتيبة حزم، ولم يملك الامريكيون والقوى الداعمة للجيش الحر أي إمكانية لدعمهم حينها، وبلا شك لا تملك فصائل الحر وتلك الاسلامية المعتدلة أي إمكانات عسكرية لمواجهة الفصائل الجهادية، وإن تكررت المواجهات مع النصرة، فلن يكون بوسع الامريكيين او الاتراك دعم حلفائهم في فصائل الحر الا بالقصف الجوي، وهذا قد لا يوثر كثيرا في موازين السيطرة على الارض التي تشير لتفوق قوة الجهاديين في معظم مناطق المعارضة، ولكن النصرة تدرك ايضا أهمية كسب أكبر عدد من المجموعات المحلية الصغيرة والكتائب، لمحاولة خلط ساحة تواجدها حتى بفصائل غير جهادية، بحيث تحميها كما تعتقد من أي استهداف دولي، ومن جانبها تحقق تلك الفصائل الصغيرة أهدافا إعلامية بالمشاركة بمعارك تقودها النصرة وتحقق من خلالها انتصارات ضد النظام، ولأن النصرة تعتبر بعض هذه الفصائل المعتدلة بوابة خارجية نحو الحدود التركية بحيث تمنع حصارها، تصر امريكا وروسيا على فصل تلك الفصائل عن النصرة لإحكام التضييق عليها واستهدافها.

وتبدو القوة الوحيدة المؤهلة بريا لمواجهة النصرة هي قوات النظام المدعومة روسيا، كما فعلت في بداية الهجوم الروسي في سهل الغاب قبل اشهر، ويمكن كذلك للقوات الكردية المدعومة امريكيا تحقيق تقدم ما غرب حلب، كما فعلت ذلك امام قوات تنظيم «الدولة» شرق وشمال حلب، أما قوات المعارضة السورية المعتدلة فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه لدعم الحرب على النصرة وحلفائها هو التزامها بالهدنة مع النظام في سياق الاتفاق الامريكي الروسي، لتفسح المجال امام قطاعات كبيرة من جيش النظام للتفرغ لقتال النصرة والجهاديين غرب خط حلب دمشق وتنظيم «الدولة» أيضا شرق خط حلب دمشق، تماما كما حصل عندما التزمت بتلك الهدنة قبل اشهر ولعدة اسابيع، استفادت منها قوات النظام وروسيا انذاك في توجيه قواتها نحو تدمر لاستعادتها من تنظيم «الدولة».

اقرا:

وائل عصام: لماذا يصعب هجوم المعارضة السورية على الساحل ومناطق الأقليات؟