on
د. سميرة مبيض: بين النخبة الأصيلة والنخبة المشوهة
د. سميرة مبيض: كلنا شركاء
لا زلنا نسمع بين الحين و الآخر تداول مصطلح النخبة الذي فقد كل هو الآخر كل معنى حقيقي على الصعيد السوري، فقد باتت نقاط المقتل في المشهد المتردي واضحة، ومن أهمها تشويه مفهوم النخبة.
فلم يكن هناك حلٌ لتمرير عقود من الاستبداد في المجتمع السوري. الا بإحلال نخبة مصطنعة على قياس طبقة السلطة عوضاً عن النخبة الأصيلة. نقاط التخالف بين الأصيل و المزيف تختصر القيم التي عمل النظام على استئصالها من المجتمع لأنها لا تتواءم مع المسار المرسوم له من الاذلال و الاستغلال. حيث اعتمد النظام شراء الذمم و الرشاوى ليورط نسبة عالية من المجتمع في منظومة الفساد واستخدمت هذه الآلية لتهيئة طبقة المواكبين لنهجه و المروجين له و صانعي علاقاته العامة، فولدت نخبة النظام لا صلة لها بنخبة السوريين.
بعيداً عن المفهوم المشوه شديد السطحية المنسوبة اليه هذه الفئة في المجتمعات المريضة بالمظاهر المذّهبة والداخل العفن. فالنخبة الأصيلة هي فئة متيقظة مؤثرة بفكر المجتمع ان لم تكن صانعة له تعتمد المنطق في تحليل الأمور والذي يقود لربط العقل بالواقع وتمكين القيم الأساسية. هم أصحاب الرأي المقدّمين للنقد البناء للرأي العام والمساهمين في تحليل وبناء مفاهيم و توجهات فكرية متقدمة.
انطلاقاً من هذا المبدأ نجد هذه الفئة في مواقع فاعلة في المجتمعات المتقدمة بينما تُحارب هذه الفئة في دول الاستبداد، تعاني من الاعتقال و التهجير و سوريا مثال حي على ذلك فبنظرة سريعة لمن امتلك المنابر خلال حقبة الظلام السوري منذ السبعينات لغاية نهوض الثورة السورية في عام 2011 نفهم الكثير مما آل اليه حال السوريين اليوم فقد عُززت سلطة المنابر الدينية عند جميع المذاهب عبر شخوص تؤسس لمجتمع طائفي، منغلق. معلمين للجهل ومختصين بالتجهيل وسُلمت مقاليد الاقتصاد للفاسدين دون منازع و لم يكن للفكر و العلم الا مكان هامشي غير مؤثر لا بل و استحضرت طبقة كبيرة من المدرسين الجامعيين المؤهلين من روسيا فكرياً و علمياً مقابل نسبة قليلة لأولئك المؤهلين في الدول الغربية فاتسم التعليم الجامعي حتى بالتلقين و التكرار و ليس بالتحفيز على التفكير و الابداع و البحث.
إعادة بناء الوعي السوري مهمة أساسية من مهمات الثورة، التأسيس لتيار فكري يثّمن القيم والأخلاق المؤسسة للمجتمع السليم فالتيار الذي ساد لغاية اليوم يهاجم هذه القيم باعتبارها مثالية غير عملية في حين يعتبر الكذب (فهلوية ) و الفساد (شطارة) و النفاق (سياسة). علماً أن التيار السائد في تسيير الأمور الداخلية للدول المتقدمة يعتمد التيار الفكري السليم وان كان بدرجات متفاوتة لكن لا تتجاوز حدوده كي لا يؤدي لتقويض القيم الأساسية التي تحافظ على التوازن والتقدم في هذه الدول.
بعد انطلاق الثورة السورية وكسر احتكار المنابر بدأت النخبة الفكرية السورية بإعادة التبلور وباتت أهدافها واضحة ومشتركة ووضعت نفسها بالمكان الطبيعي لخدمة الرأي العام السوري و ليس لخدمة السلطة من أي جهة و لا لخدمة الدين من أي مذهب بل للنهوض بالفكر العام.
لن يخلو الأمر من الكثير من الغوغائية كما كل تحرك بعد جمود طال امده لحين استقرار مسار سليم فصاحب الرأي بالدرجة الأولى هو صاحب حس عال بالمسؤولية و الالتزام تجاه المجتمع و هو الدافع الأساسي لتوجهه نحو الرأي العام، و ذلك يُفشل تماماً محاولات رواسب نخبة النظام لخنق هذه النهضة عبر اتهام ابداء الرأي العام بالشعبوية و تسمية النقد البنّاء مسعاة للشهرة، فلا يحتاج الفكر السليم للسعي لأي من هذه بل هو احياء منظومة سليمة مقابل منظومة التهديم الكامل للقيم و الأخلاق، ليس رغبة بالمثالية بل تأكيداً لواقع ان الحياة لا تستقيم الا بذلك.
اقرأ:
د. سميرة مبيض: الانحراف بالخطاب المسيحي والعلماني العالمي. د. سميرة مبيض : مشاركة حول منظور (هل يحل الإصلاح الديني مشكلة العنف)Tags: مميز