Archived: العميد الركن أحمد رحال: جيش الفتح … يٌؤلم(طهران) وينسف خطط (حميميم)

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

عندما اجتمع “قاسم سليماني” الحاكم العسكري الإيراني في سورية وبعض الضباط الإيرانيين واللبنانيين والفلسطينيين التابعين لجماعة “أحمد جبريل” وبعض ضباط الأسد, كانت المهمة الموكلة أمامه تتجلى بهدفين اثنين:” قطع طريق الكاستيللو” و”حصار المناطق المحررة في حلب”, ومع إكمال وصل الأقواس المتقطعة حول المدينة بالسيطرة ميدانياً أو بالسيطرة نارياً تكون مدينة “حلب” قد تم حصارها وطٌوقت بالكامل, وتقدم من قبل “إيران” و”الأسد” هدية لوزير الخارجية الروسي “لافروف” كي يطرحها في “بازار” السياسة الدولية ومحاولة الحصول على أعلى سعر, وتوظيفه في خدمة الهدف السياسي الأعلى لطهران وهو الحفاظ على “نظام الأسد” وعلى شخص “الأسد” بشكل محدد.

كانت التموضعات العسكرية تتحدث عن تحشدات عسكرية زجت بها “إيران” في الجبهة الجنوبية وتشمل: ميليشيات الأفغان وفيلق القدس والحرس الثوري مع بعض قوات النخبة من الجيش الإيراني مثل: اللواء 65 واللواء 23 وكتيبة “مازندران”, إضافة إلى ميليشيات “حزب الله” و”حركة النجباء” العراقية التي جعلت من بلدة “خان طومان” مقر ثقلها وغرفة عملياتها الفرعية, هذا في الجبهة الحلبية الجنوبية, أما في الجبهة الشمالية من مدينة “حلب” فكان يتم تحشيد ميليشيات لواء “القدس الفلسطيني” وميليشيات “الأسد” على أطراف بلدة “مخيم حندرات”, ومحور الخطة العسكرية لـ”قاسم سليماني” يتجلى بتحرك طلائع القوات الجنوبية باتجاه الغرب (ميليشيات إيرانية وأفغانية وعراقية ومن حزب الله) وتحرك القوات الشمالية باتجاه الغرب (ميليشيات فلسطينية وأفغانية وأسديه) ويكون الالتقاء (حسب المخطط) في غرب المدينة حول جمعية الزهراء ومبنى المخابرات الجوية بعد أن يتم قطع طريق “الكاستيللو” شمالاً والسيطرة على الأوستراد الدولي الذي يربط حلب بدمشق.

هذا ما خططوا له .. لكن قادة جيش الفتح وعيونهم التي لا تنام كان لهم رأي آخر, وعبر ما يسمى بعلميات التخطيط العسكري بالعملية الاستباقية, تحركت فصائل الثوار وعبر ثلاثة مراحل لإحباط خطط وتحركات ميليشيات الأسد وحلفائه, فكانت الخطوة الأولى بالسيطرة على بلدة “العيس” وتلتها الهامة, والمرحلة الثانية بالسيطرة على “خان طومان” و”الخالدية”, والمرحلة الثالثة بالسيطرة على عدة نقاط ذات أهمية تكتيكية تشمل قرى “الحميرة” و”القراصي” و”القلعجية” و”معراتة” وبعض المقرات العسكرية مثل كتيبة الدبابات وتلة المحروقات ومستودعات خان طومان (والمعارك مستمرة حتى الآن), وفي الشمال كانت معركة تحرير “مخيم حندرات” والتي فر فيها جرذان أحمد جبريل أمام مقاتلي المعارضة السورية, وبالتالي تم إفشال خطة الوصول إلى طريق “الكاستيللو” لكن الطيران الروسي حول البلدة إلى أثر بعد عين وقام بتدميرها بشكل كامل, كنوع من الانتقام من فصائل الثورة وحاضنتها الشعبية.

ما كان يخطط لحلب أكبر من قدرة “حلب” على التحمل, ويشمل ترتيب كامل منطقة الشمال السوري وصولاً لمدينة “الرقة” و”الطبقة” وما شرق الفرات, ويبدو أن هناك توافقات مسبقة بين “كيري_لافروف” بتسهيل وغض الطرف عن الهجمات الجوية التي يقوم بها الجانبان الروسي والأسدي (لأجل معين), تترافق تلك الهجمات مع العملية العسكرية التي تطوق مدينة “حلب”, وتترافق مع الخطة الأمريكية بتقديم ميليشيات “قوات سوريا الديموقراطية” على أنها شريك الغرب في الحرب على الإرهاب, ولا مانع من أن تكون ميليشيات الأسد أيضاً شريكاً بتلك الطبخة التي يعدها ويقدمها توافق “كيري_لافروف”, بحيث يٌقدم نظام الأسد على أنه شريك في الحرب على الإرهاب كخطوة أولى في طريق تحسين صورته وإعادة تسويقه أمام المجتمع الدولي.

قلب الطاولة ونسف جبهة “حلب” الجنوبية على يد رجال “جيش الفتح” لم يعطل تنفيذ الخطة فحسب, بل أطاح بمعظم القادة  العسكريين لـ”طهران” بعد أن استطاعت إحدى المفخخات من الوصول إلى غرفة عمليات “خان طومان” وتفجيرها بمن فيها, ولحقت بها عمليات متعددة جعلت من معظم قادة “سليماني” ما بين قتيل وجريح, ومصير قادة “نصر الله” والعراقيين لم يكن بأفضل حال من مصير الإيرانيين بعد كمين محكم نصبه رجال “جيش” الفتح على طريق التفافي مما أوقع بالمصيدة الكثير من “فئران” حسن نصر الله وقادة حركة النجباء العراقية, أعداد القتلى الإيرانيين ونوعيتهم ولدت ضغطاً متزايداً على ساسة “طهران”, ودفع لاجتماعات عديدة ترأسها “خامنئي” بنفسه, وأمام تلك الضغوط التي فرضتها الوقائع الميدانية على “طهران” كان لابد من منفذ أو ثغرة يتم من خلالها تحويل الأنظار عن أعداد القتلى التي تحملهم شركة “ماهان” الإيرانية والعائدة بهم من ساحات القتال السورية إلى إيران.

الاجتماع الثلاثي لوزراء دفاع “إيران وروسيا ونظام الأسد” كانت الغاية منه تخفيف الضغوط عن “طهران”, وتخفيف حدة الإعلام الروسي والإيراني الذي دخل بمرحلة شبه مواجهة وخاصة الإعلام المحسوب على “خامنئي” الذي بدأ يشكك ويٌخون الدور الروسي الرافض لدعم تحركات “قاسم سليماني” في ساحات المعارك وخاصة في الجبهة الجنوبية لحلب, وأيضاً كان مراداً للاجتماع إظهار تماسك محور “المقاومة والممانعة” وأنه غير متهتك وبعد السخرية التي لحقت به بعد دخول شبه واضح لـ “إسرائيل” إلى هذا المحور عبر البوابة الروسية.

لكن كل أبواق “طهران” وأبواق “نظام الأسد” عبر الإعلام لم تستطع أن تخفي الأبعاد الحقيقية لهذا الاجتماع الوزاري, ومن أن وزير الدفاع الروسي “شويغو” نقل لهم تعليمات ما خرج به اجتماع “بوتين_نتنياهو”, وأن الحل العسكري الذي تحاول طهران جر روسيا إليه لن يكون, وأن روسيا لديها التزامات مع المجتمع الدولي ومع إسرائيل بالتحديد لن تستطيع أن تتجاوز أدوارها وإلا سقطت في أوحال الغرب التي لا ترحم.

عندما يقول “جون كيري” وزير الخارجية الأمريكية (بالأمس) أن صبر بلاده بدأ ينفذ, وأن ما يحصل في سورية وما يٌرتكب من خروقات لا يمكن أن يستمر, بالطبع هو يتحدث بلغة جديدة لم يعهدها السوريين على مدار الستة أشهر الأخيرة على الأقل, ولكن ما يجعل تلك التصريحات غير مجدية ولا يمكن التعويل عليها, علمنا المسبق أن السياسة الأمريكية على أبواب الدخول بمرحلة “الثبات السياسي” مع اقتراب موعد خروج الرئيس “أوباما” من البيت الأبيض.

ومن المؤكد أن الطيران الروسي والأسدي ألحق الكثير من القتل والدمار في صفوف المدنيين والأحياء الشعبية لمدينتي “إدلب” و”حلب”, ومن المؤكد أن القدرة التدميرية كانت أكثر من أن تٌحتمل, ومن المؤكد أن كل ما يجري هو تحت أنظار المجتمع الدولي المكتفي بإصدار تقارير القلق الذي يشعر به.

لكن ما غاب عن الجميع, هو إرادة الصمود التي يتحلى بها الشعب السوري الحر.

وما غاب عن الجميع هو إرادة القتال التي لا تنقص فصائل الثورة السورية.

“جيش الفتح” قادم ليجرف كل الميليشيات الطائفية الوافدة من الخارج كـ”إرهاب عابر للحدود” وتحمل الموت لأهل سورية … هكذا قال

“جيش الفتح” أدمى قلوب القتلة في طهران, وأدمى شرايين العصب الطائفي لدى أمراء الضاحية الجنوبية في “بيروت”… هذا ما حصل

وأمام السياسات الخاطئة التي يتم تقديمها لبقية الفصائل والتي تسمى وفق منظور الغرب “معتدلة”, فقد يكون”جيش الفتح” النواة التي تتجمع فيها كل أطراف الحراك المسلح للثورة السورية.

هل يفهم الغرب معنى ذلك ؟؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags: العميد الركن أحمد رحال