on
Archived: العميد الركن أحمد رحال: (داعش).. يترنح في (منبج) ويستأسد في(مارع)
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
على مدار المرحلة الماضية وخلال سنوات ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سورية, اعتدنا على طرق وتكتيك قتال التنظيم الذي لا يشق له غبار ويسبقه الخوف من إرهابه حيثما حل, وتتدحرج الرؤوس عبر المناطق التي يستولي عليها, وتتلون الساحات والجدران بدماء الأبرياء من المناطق التي يعبرها, وعندما يقاتل “داعش” في المناطق المكشوفة تجده كراراً فراراً يطبق تكتيك المفخخات والقتال الصحراوي عبر الغزوات ويخرج على عدوه من أمكنة غير متوقعة مستخدماً أسلوب الصدمة الصاعقة والمفاجأة في قلب الموازين وتشتيت تراتيب قتال أعدائه, كما فعل في الجبهة الشرقية لريف حمص في حقول الغاز والنفط (الجزل والشاعر والمهر), فعندما يضطر التنظيم للقتال في المدن, فتكتيك حرب العصابات وحرب الشوارع والتلغيم واستخدام المدنيين كدروع بشرية يرهب بهم الأعداء, وبلدة مثل “عين العرب” (كوباني) اجتمعت عليه كل طائرات التحالف وكل مرتزقة “صالح مسلم” مع مساندة محلية, وبقي التنظيم لأكثر من (50) يوماً يواجه ويعاند ويستنزف الجميع, ولم يخرج حتى أصبحت المدينة مدمرة بالكامل ولا تصلح حتى للسكن عدا عن أعداد القتلى التي تركها خلفه.
هذا كان سابقاً …
الآن, ومع تقدم ميليشيات “قوات سورية الديموقراطية” وعبورها إلى الضفة الغربية لنهر الفرات, ومع هذا الواقع تكون قد تجاوزت كل الخطوط “الأردوغانية” الحمراء, تساندها ضربات طيران التحالف الدولي التي تجاوزت الـ(500) غارة جوية, تقدم ميليشيات “صالح مسلم” تم عبر ثلاثة محاور سيطرت من خلالها على أكثر من (85) قرية شمال وشرق وجنوب غرب مدينة “منبج”, واكتفى تنظيم “داعش” بالانسحاب والتقهقر أمام تلك الضربات, والجميع اعتقد أن هذا الانسحاب يأتي في إطار الابتعاد عن الساحات المكشوفة والقرى المتناثرة والتي تعطي الظروف المثالية لطيران التحالف باصطياد عناصر وقادة التنظيم, وأن عملية الانسحاب غايتها تجميع القوات المشرذمة لـ”داعش” على أطراف المدينة لبناء خطوط دفاعية, تجعل من القتال على أبواب “منبج” ملحمة تعيد ذكريات معارك التنظيم السابقة.
لكن قادة “داعش” خالفوا كل التوقعات حتى مع أنصارهم المحليين, فبعد قرار أمراء “منبج” سحب أسر وعائلات المهاجرين من المدينة, وسبق ذلك نقل كل السجناء إلى مدينة “الباب”, وهذا أمر رفضه الأنصار الذين كانوا يفضلون القتال لا الانسحاب.
على الجانب الآخر من الحدود الجنوبية لمدينة “الطبقة” وبمشهد يأخذ صفة الدعاية أكثر مما هو حقيقة, تم الإعلان عن هجوم لمليشيات “الأسد” وعبر ما يسمى فصيل “صقور الصحراء” الذي تقدم من الريف الشمالي الشرقي لريف حماه من منطقة “أثريا” وبغطاء جوي روسي, وليصل إلى “الرصافة” على بعد حوالي (40)كم من مدينة “الطبقة” دون مقاومة تذكر, وغابت كل مفخخات “داعش” وكل تكتيك الغزوات التي لطالما استخدمها التنظيم وأرهق بها ميليشيات “الأسد” في كل معارك ريفي “حماه” و”حمص”.
في مكان آخر, وعندما كانت ميليشيات “مسلم” تتحضر للهجوم على “الرقة” في محيط بلدة “عين عيسى” جنوب مدينة تل أبيض, كان المتوقع من تنظيم “البغدادي” تعميق دفاعاته وبناء خطوطه القتالية ليواجه خطر الهجوم على عاصمته والمواقع القريبة منها, وفوجئ الجميع بأن عناصر “داعش” وبدلاً من القيام بذلك, توجهوا إلى أقصى الشمال الغربي نحو بلدة “مارع” ليهاجمها التنظيم ويحاصرها ويفرض عليها طوقاً تمهيداً لدخولها والسيطرة عليها وكأن الحصول على تلك البلدة تؤسس وتثبت وترسخ دولة “البغدادي” التي يحلم بها أنصاره.
مع تلك المتغيرات برزت الكثير من الأسئلة التي أفرزتها ضبابية الموقف وعشوائية القرارات:
لو افترضنا أن تنظيم “داعش” انطلق نحو الغرب وباتجاه بلدة “مارع” كي يعمق جغرافيته العسكرية, ويوجد مساحات لأنساقه الثانية إذا ما تعرض لحصار في “منبج” أو “الباب”, لكن هناك أمور غير طبيعية حصلت في محيط وداخل “مارع”, (مثلاً) على حدود قرية “عين دقنة” الواقعة شمال “مارع” كان مقاتلي تنظيم “داعش” على تماس مباشر مع ميليشيات “قوات سورية الديموقراطية” لكن دون أي صدام أو قتال, وميليشيات “مسلم” يفترض أنها عدو وهي من تطيح بقوات “البغدادي” في قرى “منبج”, وتكرر هذا الأمر جنوب البلدة أيضاً في قريتي “إحرص” و”حربل” حيث تلاصقت جبهات التنظيم مع ميليشيا “جيش الثوار” التابع لميليشيات “صالح مسلم”, وأيضاً دون قتال أو معارك, ويتكرر هذا المشهد مع جبهة تمتد لأكثر من (50)كم تبدأ من أطراف مطار “كويرس” وتنتهي ما قبل الوصول إلى بلدة “مارع” وفيها تتحاذى وتتلاصق مواقع تنظيم “داعش” مع جبهات ومواقع ميليشيات (الأسد وحزب الله والإيرانيين وحركة النجباء العراقية ولواء القدس الفلسطيني المتحالف مع الأسد) ودون أي صدام أو حادث يذكر.
هل مهمة “داعش” فقط قتال “الجيش الحر” ؟؟
أو السيطرة على مناطق “الجيش الحر” ومن ثم تسليمها لميليشيات “الأسد” أو أكراد “مسلم”
أمر آخر وجد الكثير من الاستغراب والدهشة لحلفاء وأعداء التنظيم, فحصار “داعش” لبلدة “مارع” استمر لمدة (13) يوماً قطع فيها التنظيم الماء والهواء عن تلك البلدة في محاولة لاختراقها واقتحامها والسيطرة عليها, وقاتل فيها رجال “الجيش الحر” قتال الأبطال ولا أحد يستطيع أن يقلل من عملهم وتضحياتهم, ولكن استحالت عليهم القدرة على فك الحصار, ولكن فجأة ومع إعلان كل الفصائل الموجودة داخل البلدة المحاصرة الانضواء تحت راية لواء “المعتصم” (التابع لبرنامج التدريب الأمريكي والذي تلقى المساعدات الملقاة جواً مؤخراً), وبقدرة قادر ينسحب تنظيم “داعش” ويفك الحصار عن بلدة “مارع” مباشرة ويتراجع عن حدود القرى التي تسببت بالحصار.
كل ما يحصل في الشمال السوري, إن كان في محيط مدينة “منبج”, أو في محيط مدينة “مارع”, أو في الطريق إلى “الطبقة”, أو في عبور الـ “بي واي دي” للضفة الغربية للفرات, أو في حالة الدمار والمجازر التي يرتكبها طيران “بوتين” و”الأسد” في حلب وإدلب, كلها مؤشرات تقول أننا أصبحنا في المرحلة ما قبل النهائية من مرحلة توزيع الأدوار ورسم الخرائط التي يتولاها خبراء عسكريين من كلاً من (أمريكا وإيران وفرنسا وروسيا) يتواجدون الآن في الشمال السوري, ويتحركون مع ميليشيات “صالح مسلم”, وبهذا الشكل يتضح أن مهمة “داعش” أثناء حصار “مارع” كانت الغاية منها إشغال ومنع فصائل “الجيش الحر” من التقدم أو الاعتراض على تولي ميليشيات “قوات سورية الديموقراطية” الحرب على “داعش” في “الرقة” أو “منبج”.
الخرائط قد تحمل في طياتها ما لا يطيقه السوريين الأحرار, ويبدو أننا أمام شمال (كوردي) برعاية أمريكية, وغرب (علوي) برعاية روسية, وجنوب (درزي) برعاية (إسرائيلية), ووسط (سني) مشاغب يكون ساحة تصفية حسابات بين مكوناته من جهة ومع العالم الخارجي من جهة أخرى.
هل هي النهاية؟؟
بالتأكيد ليست النهاية … فمن يعلم قدرة وإصرار الشعب السوري لا يخاطر باختبار إرادتهم.
قد يخسروا جولة … وقد يتأخر حلم الحرية بالتحقق … لكنهم لن يتراجعوا عمَا خرجوا من أجله.
ويبقى حلفاء الثورة هم أبرز الغائبين
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
Tags: العميد الركن أحمد رحال