Archived: العميد الركن أحمد رحال: بعد تهديد (كيري) … أمريكا تبدأ بتنفيذ الخطة (ب)

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

لا أحد يستطيع أن ينكر حجم الحشود الإيرانية التي تم الزج بها خلال الأشهر الثلاث الماضية ومع بدء الإعلان عن التهدئة الأولى أو وقف الأعمال العدائية كما أرادت موسكو لها من تسمية, تلك الحشود التي كانت تتوعد بالسيطرة على “حلب” واستعادة بلدتي “كفريا” “الفوعا” عبر “الحلقي” رئيس حكومة “الأسد” وعبر “الأسد” نفسه وعبر “قاسم سليماني” الحاكم العسكري الإيراني في سوريا والعراق.

ومع بدء الحملة الجوية “الروسية” و”الأسدية” الهمجية والمدمرة على أحياء وريف “حلب” نهاية الشهر الماضي, والتي كانت من ضمن الأسباب التي أدت لتعليق وفد “الثورة السورية” للمفاوضات في جنيف, والتي أدت لتدمير أحياء وبلدات حلب وريفها ودمرت معها مراكز الدفاع المدني والمشافي ومراكز الإسعاف وحتى دور العبادة, ليخرج علينا دبلوماسيي أوروبا بتصريحات باهتة وتتم الدعوة لعدة اجتماعات كان أبرزها اجتماع “باريس” ومن ثم اجتماع “فيينا” لمجموعة دعم سورية, وليخرج علينا وزير الخارجية الأمريكي وليهدد للمرة الخامسة بأن الولايات المتحدة الأمريكية وأمام الاستعصاء السياسي وأمام عدم الالتزام بالهدن من قبل نظام “الأسد” و”إيران” فإن أمريكا قد تلجأ للخطة (ب) في حال استمرار تعثر الجهود.

الثورة السورية وفصائلها وروادها وكل حاضنتها الشعبية وبحكم معرفتها بنظام “الأسد” على مدار العقود الأربعة الماضية تدرك أن هذا النظام وداعميه لم ولن يكونوا يوماً شركاء في أي طريق يمكن أن يؤدي لحلول سياسية, لقناعتهم المطلقة بأن أي حل سياسي ومهما كان مجحفاً بحق الثورة فإن رأس “الأسد” سيكون أول من يٌطاح به على طاولة المفاوضات, وأمام تلك القناعة فهو يعمل على ترسيخ قواعد الحل العسكري مع إشغال المجتمع الدولي بمفاوضات عبثية تكون فيها مهمة “بشار الجعفري” رئيس وفد النظام للمفاوضات هي تصفير عداد التحرك مع نهاية كل جولة تفاوضية وإعادته إلى المربع الأول.

عندما هدد “كيري” بالخطة (باء) تنفس السوريون الصعداء ظناً منهم أن صبر الولايات المتحدة الأمريكية قد نفذ, وأن الرئيس “أوباما” قد وصل إلى الحقيقة التي يعلمها كل الشعب السوري من مكر ودهاء وخداع هذا النظام الذي لم يخفِ تلك الحقيقة يوماً, فوزير خارجية الأسد “وليد المعلم” هو من قال: إذا ما لجؤوا للمفاوضات سنغرقهم بالتفاصيل.

صحيح أن الخطة (ب) التي لم يعلن عن بدء تنفيذها, لكن بدأت مفاعيل خطواتها تظهر وترتسم خلال الأسابيع الثلاث الأخيرة على ميادين وساحات القتال وداخل المدن السورية.

حلب والتي يبدو أن لها الحيز الأكبر من بنود الخطة (ب), فمن الواضح أنه مراد منها ووفق الخطة الأمريكية أن تركع وأن تٌحاصر وأن تكون ضمن محفوظات توضع بعهدة “الأسد” بعد حملات تدمير جوي روسي_أسدي وبضوء أخضر أمريكي تدعمها تحركات أرضية إيرانية ومن لواء “القدس” الفلسطيني, مع دعم بري من ميليشيات “قوات سورية الديموقراطية” لقائدها “صالح مسلم”, ولا يمنع ببنود الخطة أيضاً من غض الطرف عن سيطرة “داعشية” لبعض مناطق “الجيش الحر” في جبهات شمال “حلب” تٌسترجع فيما بعد بطريقة ما.

هذا الكلام لا يأتي في إطار التحليل ولا في إطار التخمينات والتوقعات بل هو أمر واقع تعيشه جبهات حلب ومدينة “مارع” بالذات, التي يتشدق الإعلام الغربي بالقول أنها مدينة يحاصرها “داعش” بينما الحقيقة تقول أن الجبهة الجنوبية لـ”مارع” تحاصرها ميليشيات “الأسد” و”إيران” وأن الجبهة الغربية تحاصرها ميليشيات “مسلم” والجبهة الشمالية  والشرقية فقط يحاصرها “داعش”, وبالتالي فكل هؤلاء مقصدهم ومطلبهم مناطق يسيطر عليها “الجيش الحر”, والطيران الروسي الذي وضع عنواناً لدخوله سورية وهو “محاربة الإرهاب” ينصرف بكل ما أوتي من قوة عسكرية لقواه الجوية لضرب خطوط إمداد فصائل “الجيش الحر” وأنساقه الثانية التي تحاول الوصول إلى محيط بلدة “مارع” وبلدة “إعزاز” لفك الحصار المفروض على تلك المنطقة.

ويبدو أن الخطة الأمريكية (ب) لا تتوقف مفاعيلها على محافظة “حلب”, فمع بدء ليلة (الاثنين) الفائت انطلقت الطائرات الروسية من قاعدة “حميميم” لتمطر فوق محافظة “إدلب” قنابلها “العنقودية” وصواريخها “الفراغية” ولتدمر مشفاها الوطني ومعظم مساجدها وبيوتها الآمنة ولتستفيق مدينة الزيتون الأخضر على سواد وحرائق غير من معالمها وليحتضن ثراها أكثر من (70) شهيداً معظمهم من الأطفال والنساء كل ذنبهم أن لا مكان يأويهم غير بيوتهم, وليخرج عينا الناطق الأمريكي بالقول أن تحقيقاً أمريكياً_روسياً سيٌفتح لمعرفة الطيران المجهول الذي قصف إدلب, بينما أصغر عسكري “مختص” يعلم أن قدرات الاستطلاع الأمريكي قادرة على تحديد أي هدف طائر يتحرك في سماء الكرة الأرضية ويحدد مكان وساعة إقلاعه ووجهته وموقع عودته, فعلى من تكذب “واشنطن”؟؟؟

الصمت الذي لازم كل وزارات الخارجية الغربية يوحي بالقبول, والصوت التركي الذي خرج عبر بيان خارجيتها قوبل برد روسي يطالبها بالخروج من العراق, وكأن الأدوار مرسومة ومحضرة, والواضح أن الخطة (ب) تقضي بوقف الدور التركي_السعودي_القطري بالثورة السورية وإعطاء صك انتداب لـ”موسكو” وبموافقة أمريكية لتعيد ترتيب الأوضاع في الداخل السوري, على أنغام الموسيقى التي عزفتها فرقتها في “تدمر”, وعلى مفردات القتل التي يتقنها “إمبراطور” الكرملين “بوتين”, والواضح أن تجربة مدينة “غروزني” في الشيشان قد تعاد في كل مدينة سورية ترفض الانصياع وترفض الخنوع أمام ديكتاتورين أحدهما في “دمشق” والآخر في “موسكو”, وحياة البشر بالنسبة لهؤلاء لا تعني أكثر ما عنت حياة البشرية لـ”هتلر” وحياة مئات الآلاف الذين ماتوا في سجون سيبيريا وقتلهم “ستالين”.

معركة “منبج” التي بدأت يوم (الثلاثاء) واعتماد ميليشيات “قوات سوريا الديموقراطية” كذراع عسكري للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم “داعش” على حساب إبعاد “الجيش الحر” الذي خسر كل الشمال السوري لصالح “داعش” بعد وقف الإمدادات عنه, ليأتي اليوم أكراد “مسلم” وبدعم غربي لتٌضم كل المناطق التي يمكن أن تتحرر إلى الكانتون الكوردي المزمع إعلانه, يأتي كل ذلك ترسيخاً للخطة (ب) وخطة تقليص مساحات سيطرة الثوار, وعلى حساب الثورة وحليفتها تركيا التي بدأت تتكسر خطوطها الحمراء وأهمها عبور الكورد إلى غرب الفرات.

إذاً أصبحنا أمام الحقيقة وجهاً لوجه, فالخطة (ب) تعني تركيع السوريين, وإجهاض الثورة, وإعادة الشعب السوري لحظيرة “الأسد” بقوة الكرباج الدولي والروسي.

ما يحصل من جرائم في “حلب” وريفها , وما يحصل من قصف ودمار في “إدلب” وما يحصل من انتهاكات فاضحة لأبسط معايير الإنسانية في “داريا” و”خان الشيح”, وما يحصل من منع دخول الإغاثة والمساعدات الإنسانية لمعظم المناطق التي يحاصرها “الأسد”, وكذب التبريرات الأمريكية وتراجعها حتى عن إسقاطها جواً كله يأتي من ضمن الخطة الأمريكية (ب).

ومن المؤكد أن ما يحصل في كواليس الوفد التفاوضي في “الرياض” والضغوط التي تمارس على الهيئة التفاوضية وتغيير وجهها المشرق الذي كان سبباً رئيساً في شرعيتها, أيضاً يأتي من ضمن بنود الخطة الأمريكية.

لكن ما غاب عن الخطة الأمريكية أكبر من بنود تلك الخطة الحمقاء, ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية وذكاء “أوباما” ودهاء “كيري” والفكر المخابراتي لـ”بوتين” و”لافروف” لم تصل لمسامعهم من هو الشعب السوري.

فإصرار الشعب السوري لا يمكنكم المراهنة عليه, وعنفوانه, وعناده, ورجولته وتصميمه واستمراره لا يمكنكم التشكيك فيه, وانقلابه لمقاومة شعبية تزلزل الأرض من تحت أقدام الطغاة توقعوها, فالشعب السوري وبثورته الماجدة وبعد كل تلك التضحيات لن يعود إلا بما خرج من أجله ولو كره الكارهون.

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags: العميد الركن أحمد رحال