Archived: العميد الركن أحمد رحال: معركة (الزارة) … بعثرت الخرائط ولامست المحرمات

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

عندما أعلن الجنرال “قاسم سليماني” عن بدء استعداداته لمعركة حلب وتقبله التضحية بـ(100,000) إيراني مقابل السيطرة على المدينة, وتبعه رئيس وزراء نظام الأسد “الحلقي” بالتهديد بمعركة “حاسمة” في حلب, وختمها مغتصب قصر الرئاسة “بشار الأسد” بوعيده لسحق المعارضة في حلب, كانت تلك الميليشيات تظن أن خطوطها الخلفية الممتدة من حدود جبهة اللاذقية مع تركيا وامتداداً للوصول إلى حدود حمص مروراً بريف حماه الغربي أصبحت في مأمن, وأن الخرائط التي رسمت حدود “سوريا المفيدة” أو “الدويلة العلوية” بالنار وبغارات الطيران وبراميل الحوامات وبلغة الدم, أصبحت حصينة وعصية عن الاختراق.

شعور “الأسد” بهذا الأمان ومنحه لحاضنته الشعبية كان خطأً فادحاً وكارثة حلت بـه وبميليشياته وقطعان شبيحته وكل من حمل السلاح لدعمه في ريف حماه الجنوبي الغربي, خاصة بعد أن قام بسحب بعض الوحدات من ميليشيات جيشه باتجاه جبهات “حلب” مع الثوار وجبهة “تدمر” مع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” تاركاً بعضاً من الشبيحة من أبناء قرى المنطقة ليعيثوا فساداً ظناً منهم أنهم أصبحوا في بعد عن أية مخاطر تتهددهم.  

ميليشيات النظام وقطعان الشبيحة وبمساندة من ميليشيات حزب الله والمليشيات الإيرانية وعبر أربع سنوات وباستخدام الطيران وبراميل الحوامات والقصف المدفعي والصاروخي جعلت من الريف الحموي الجنوبي والريف الحمصي الشمالي مقبرة ومنطقة دمار لمعظم القرى الواقعة فيها, مع حصار مميت وخانق على منطقة الرستن وسهل الحولة وبلدة تلبيسة وتلدو ودير فول وقرى حربنفسه وجريجيسة وطلف وغيرها.

صباح الخميس 12-5-2016 كانت الأعين التي لا تنام وترصد المتغيرات على الجبهات تتحرك عبر سواد الليل لتأخذ مواقعها في الخطوط المتقدمة من جبهات القتال حول قرية “الزارة”, تم توزيع المقاتلين على النقاط المتقدمة وفق خطة المعركة, مجموعات الاقتحام تستعد لخرق الخطوط التحصينية الأولى, ورمايات الهاون بدأت بتمهيد ناري يؤمن طريق الوصول إلى الحواجز العسكرية التي أتخمها “الأسد” بكل أدوات ومعدات القتل, ومع بزوغ شمس الصباح وبخطة محكمة استهدفت الإطباق والالتحام المباشر مع نقاط تجمع عناصر النظام لوقف تأثير رمايات الطيران ومنعها من المؤازرة, ومعها بدأت حواجز النظام والشبيحة بالتساقط, سقط حاجز “البراميل”, سقط حاجز “الآليات”, سقط حاجز “القناطر”, ومعها أصبحت قرية “الزارة” بيد الثوار.

قرية “الزارة” التي حولها النظام لثكنة عسكرية وضمت بين بيوتها قطعات المدفعية والدبابات ومدافع الهاون, ومنها كانت ميليشيات “الأسد” تصب حممها القاتلة على كل القرى المحررة المحيطة بها, وتقطع كل خطوط الإمداد والإغاثة عن سهل الحولة والرستن والقرى المحيطة بها, قرية “الزارة” التي تحولت لرأس جسر, فمنها تنطلق كل العمليات العسكرية المدمرة التي تحمل الموت لمحيطها, قرية “الزارة” أصبحت الآن بيد الثوار ولتنهار قلعة تحصينية اعتقد النظام أنها عصية عن الاختراق.

وضمن المفهوم العسكري الذي يهدف لتطوير النجاح بمهام لاحقة, ولتحصين المواقع وتأمين حمايتها, وقبل أن تستفيق ميليشيات النظام من صدمتها, انطلق الثوار لفتح الطريق الواصل بين “الزارة” وقرية “حربنفسه” عبر تحرير حاجزي “الأبنية” و”محطة القطار”, ومن ثم الانطلاق لتحرير حاجز “المداجن” باتجاه قرية “دير الفراديس”, ومن ثم تهديد المنشأة الأكثر أهمية وهي “المحطة الحرارية” عبر السيطرة على حاجز “المساكن”.

معركة “الزارة” التي قادتها تخطيطاً وتنفيذاً “غرفة عمليات ريف حمص”, والتي جعلت من الثأر لحلب عنواناً لها, وفك الحصار عن إخوانهم في الحولة والرستن هدفاً آخر يسعون الوصول إليه, وبتلك العناوين والأهداف نكون أمام دلالات ومؤشرات ما برح الشعب السوري يطلقها ويؤكدها خلال كل جولات معاركه, حول وحدة الهدف على كافة ساحات القتال ووحدة المصير لكل الشعب السوري الثائر, لكن تبقى هناك الكثير من الأسئلة التي لا تنفك ضاغطة على قلوب وعقول أهل الثورة, وتتلخص بالقول: طالما أن النظام بهذا الضعف, وطالما أن النظام لا يطيق الاستنزاف على جبهات قتال متعددة, وطالما أن مقدراته وإمكانياته أصبحت تعاني من الوهن والضعف, لماذا توقفت بعض الجبهات عن القتال؟؟؟ ولماذا تحولت جبهات أخرى لاقتتال بيني وصراع على زعامات خلبية بدل أن توجه البندقية نحو القتلة من عصابات النظام؟؟؟

نظام “الأسد” الذي ظن أن ظهره مغطى وخطوطه الخلفية محمية ودفاعاته واثقة, وانطلق لتطوير نجاحاته في جبهات أخرى, اصطدم بحقيقة خسارته الخط الدفاعي الأول عن ريف حماه الجنوبي الغربي وانكشاف خطوطه الخلفية في قلب حاضنته ومعقله الأساسي, والمنطقة التي حاول جاهداً ومنذ أشهر عدة لتفريغها من سكانها (السنة) عبر حملة جوية شارك بها الطيران الروسي وطيران وحوامات الأسد, أصبحت اليوم مهجرة من مواليه وحاضنته والمحسوبين على قاعدته الشعبية.

حاضنة النظام التي استفاقت على خبر خسارة بلدة “الزارة” وخسارة القلعة الآمنة التي تغنت بها ميليشيات الشبيحة وتهددت المحطة الحرارية وأصبحت فصائل الثورة في قلب معاقل النظام واخترقت خطوطه الساخنة ولامست المحرمات التي بنيت على أساسها خرائط الدويلة القادمة, واستفاقت أيضاً على خسائر فادحة بالأرواح والمعدات وعدداً لا يستهان به من الأسرى, مع غنائم عسكرية أصبحت بيد الثوار يدركون أنها ستكون ترياق المعارك القادمة بعمق قراهم وبلداتهم, وليبدأ إعلام النظام بتوزيع الاتهامات شمالاً ويميناً, فغياب الطيران الروسي عن ساحات المعارك كان سبباً بتلك الهزيمة, والهدن التي عملت عليها غرفة عمليات “قيادة حميميم” الروسية أيضاً هي سبباً, والهدن الأمريكية_الروسية سبب آخر, دون أي ذكر لجبنهم وضعفهم وعدم قدرتهم على مواجهة الثوار والتي تمثل الحقيقة التي لا يمكن نكرانها.

انقشعت الغبار وبانت الحقيقة, فـ فصائل الثوار أصبحت على أبواب معاقل النظام, إعادة مئات المقاتلين من ميليشيات “الأسد” من الجبهات البعيدة كانت أولى إجراءات النظام لتأمين الثغرات التي أحدثتها معركة “الزارة” في عمق دفاعات خطوطه الخلفية, فهل تكون خطوة نحو إعادة ترتيب الأولويات لدى غرفة عمليات النظام في دمشق؟؟

أم تكون بداية تجييش جديد لمعارك في المنطقة تحاول إبعاد خطر الثوار عن حدود يخشاها النظام ويدرك أبعادها وما يمكن أن تؤدي إليه في صفوف حاضنة أثخنتها جراح حرب أشعلها “الأسد” فقط للاحتفاظ بكرسي السلطة, حاضنة تعيش على صفيح ساخن قد ينقلب لكارثة تطيح بكل نظام “الأسد” عند لحظة ملامسة حقيقة المستقبل الذي أوصلتهم إليه “طغمة” فضحتها وثائق “بنما” حول مئات مليارات الدولارات التي تكنزها في بنوك العالم ويترك أقرب المقربين منهم يعانون جوعاً أهلك بطونهم, وساعات حائط أضحت تعويضاً عن دماء فلذات أكبادهم.

قرار الثوار بالمواجهة لم يخبو يوماً ولن يلين ….

فما هو قرار من جعلهم “الأسد” وقوداً وحطباً لكرسي سلطة زائلاً عنه لا محالة ؟؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags: العميد الركن أحمد رحال