Archived: العميد الركن أحمد رحال: (جيش الفتح) يدق أبواب (حلب) … ورسائل تهدد (لافروف)

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

لم تعد هناك أوراق مخفية, ولم تعد هناك مواقف مستورة, في لحظات الحرب الكل يطرح ما لديه, ويقول ما يريد, والواضح من مستجدات الساحات السياسية والعسكرية في سورية, أن الولايات المتحدة الأمريكية وعبر طاقمها السياسي وإدارة بيتها الأبيض, أنها فقدت دورها كدولة عظمى, واشنطن التي أخرجت “الأسد” وخلال أقل من “72” ساعة من لبنان بعد احتلال دام لحوالي ثلاثين عاماً, عندما كان الأسد “أسداً”, اليوم واشنطن “تناشد” و”تطالب” و”تتمنى” على موسكو أن تطلب من حليفها تخفيف القصف على المدنيين في حلب.

موسكو الممسكة الآن بمعظم أوراق اللعبة في سورية “وتدٌعي غير ذلك” لتخفيف الضغوط عليها, لا تريد تهدئة القصف إلا بشروطها, وما قاله لافروف (مؤخراً) في مؤتمره الصحفي مع المبعوث الدولي “ديمستورا” ليس حلاً, لا يمكن إخلاء حلب, ولا يمكن قطع الجسور مع تركيا, ولا يمكن إبعاد السلاح والرجال لترضى “موسكو” ويرتاح “الأسد”, لكن ما الذي دفع الوزير “لافروف” على عجل ليعلن عن هدنة قادمة بعد أن رفض كل طلبات واشنطن؟؟؟

“لافروف” السياسي “المعتق” قرأ القادم بعيون الخبرة السياسية التي يملكها, فالدعوة لعقد جلسة لمجلس الأمن قد تفتح الأبواب على إدانات أممية جديدة, وقد يتسبب بإحراج لروسيا يدفعها لاستخدام حق النقض “الفيتو” مرة أخرى, وهو الخارج من جلسة تضمنت إدانة دولية لاستهداف المشافي والمراكز الصحية, وهذه الإدانة تطال موسكو كشريك وكحليف للأسد.

و”لافروف” يتخوف من الدعوة الألمانية_الفرنسية للقاء المعارضة في “برلين” (الأمس) بحضور المبعوث الأممي “ديمستورا”, تلك الدعوة التي أٌبعدت عنها روسيا وهٌمش فيها دور الولايات المتحدة الأمريكية.

و”لافروف” استمع بتمعن لكلام وزير الخارجية البريطاني “هاموند” عندما قال: الهدنة في سورية ليست الحل, والحل يكون بمبادرة جديدة تعيد ترتيب الأولويات, هذا الكلام لوزير خارجية دولة عظمى كبريطانيا يدلل على أن اللغة “المطاطة” التي كٌتب فيها القرار 2254 و2268 ولغة “الميوعة” التي تحلى بها هذا القرار لم تعد صالحة الآن, وبالتالي هي إشارة أوروبية عبر بريطانيا أن القراءات المزدوجة للقرارات الدولية لم تعد صالحة, وبالتالي تأتي دعوة الوزير “هاموند” والمدعومة من عواصم أوروبية لتخلع الرداء الأمريكي وتؤسس لموقف أوروبي يتعاطى مع الملف السوري برؤية جديدة, لماذا؟؟ فهم الأكثر تضرراً عبر مئات آلاف اللاجئين العابرين إلى داخل أوروبا, عدا عن الأخطار التي لحقت بالأمن الداخلي لدول الاتحاد الأوروبي والتي كان آخرها تفجيرات “بروكسل وباريس”, وبالتالي الوزير “هاموند” يتطلع لقرار أممي جديد توضع فيه النقاط على الحروف وتثبت فيه الوقائع بمسمياتها للانطلاق نحو حل شامل في سورية, هذا الكلام لن يرضي “لافروف” وسيغير من تلاعبه بالعبارات الفضفاضة للقرارات الدولية (السابقة) والتي قرأتها “موسكو” حسب مزاجها السياسي ومصالحها في المنطقة.

أيضاً “لافروف” استمع إلى كلام الوزير السعودي “الجبير” عندما قال: حان الوقت لمنح المعارضة السورية كل الأسلحة التي تريد, و”لافروف” يدرك أن “واشنطن” وصلت لمرحلة العجز والتي لم تعد لديها القدرة على ضبط الإيقاع كما فعلت خلال السنوات الخمس الفائتة, وكلام الوزير “كيري” الأخير يدلل على ذلك, حيث قال: الأوضاع بدأت تخرج عن السيطرة في سورية. وهذا الكلام حمٌال أوجه, يمكن قراءته أنه تخلي عن الملف السوري لصالح “موسكو”, ويعني أيضاً أن “واشنطن” ليست مسؤولة عن تدهور الأوضاع أو وصول أسلحة جديدة ونوعية للمعارضة السورية, قد تقلق “موسكو” وطائراتها في السماء السورية, وقد تطيح بكل إنجازات “بوتين” العسكرية وتعيد مأساة الروس (الاتحاد السوفييتي) في أفغانستان.

أيضاً طاقم “لافروف” لم تغب عن أنظاره (اليافطة) التي رٌفعت في قرى حوران لتفجر غضباً جنوبياً بين أحرارها, اليافطة تقول: عذراً حلب, يبدو أن نخوة أحرار حوران تحتاج لموافقة غرفة الموك, هذا الكلام الجارح ويفهمه كل حر في سورية وخصوصاً كمجتمع يمتاز بالنخوة كأهالي “حوران”, استدعى اجتماعات مطولة للقادة العسكريين في الجنوب, و”لافروف” أكثر من يعلم معنى تحرك جبهة الجنوب المقلقة للعاصمة, فقد تصبح أحياء “دمشق” في متناول اليد وقد تطيح بقصر حليفهم “الأسد”.

لكن أخطر ما أقلق “لافروف” كان الإعلان عن إعادة تشكيل غرفة عمليات “جيش الفتح”, الذي استبعد فصيل “جند الأقصى” كحليف لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وضم عوضاً عنه الحزب الإسلامي التركمنستاني الذي يحمل ثأراً للروس, و”جيش الفتح” بما يحمل من تاريخ وإنجازات ترعب “الأسد وحلفائه” فآخر انجازاته تكللت بتحرير محافظة “إدلب” ومنطقة “أريحا” ومدينة “جسر الشغور, وسيطر أيضاً على أكبر معاقل النظام العسكرية في حاجزي “المسطومة” و”القرميد”.

عودة “جيش الفتح” الآن بحلته الجديدة وتصميمه على تغيير الواقع العسكري للأشهر الأخيرة, وترميم ما حل بجبهة الساحل وجبهة حلب, التي وضعهما عنواناً لمرحلته القادمة, والبدء من جبهة “جمعية الزهراء” الغربية في “حلب” عبر نسف مقر قيادة “الأسد” العسكري قرب المخابرات الجوية كان باكورة الانطلاق مع حلفاء “جيش الفتح” في الداخل (الراشدين), وكذلك سيطرة الثوار على عدة نقاط إستراتيجية في “الفاميلي هاوس” و”مزارع الإبري” و”تلة مهنا” قد تمهد لمعركة لا تسر النظام وتسبب القلق لموسكو.

و”لافروف” يدرك أن ما يصدر عن إعلامه عبر قول وزارة الدفاع الروسية بالأمس (أن لديها في سورية (11) مركز مصالحة للأطراف المتنازعة, وأنها تعمل في دمشق وداريا وحلب واللاذقية وحماة وحمص, وأن (11) فرقة من روسيا تراقب المصالحات وتوزع المساعدات لـ(91) بلدة انضمت الى وقف إطلاق النار, وأن (52) فصيل مقاتل انضم للهدنة), “لافروف” يدرك أنه كلام كاذب, وأنه موجه للداخل الروسي الغاضب, وجل غايته هو إسكات الأصوات التي تطالب الرئيس “بوتين” بسحب أولادهم من المقبرة السورية, وأن كل تلك الدعايات “المضللة” غايتها القول أن هناك إنجازات لـ “بوتين” والتستر على تأخر الرواتب والغلاء المعيشي والاعتقالات التي تحدث في شوارع المدن الروسية, خصوصاً إذا ما علمنا أن الشعب الروسي لا يثق بقيادته ويعلم أن كل أخباره تتسم بالدجل والخداع بعد منع “بوتين” للإعلام الروسي وبكل أشكاله  (المقروء والمسموع والمشاهد) عن بث أي أخبار لا تخرج (حصراً) عن الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية.

تلك الرسائل قرأها الوزير “لافروف” جيداً, وإذا ما أضفنا لها التغيرات الإستراتيجية في الموقف السياسي الأوروبي, والموقف السعودي_التركي الضاغط, فهذا يدلل أننا على أبواب مرحلة جديدة للتعاطي مع مفردات الثورة وقضية الشعب السوري.  

حلب والثورة السورية أيضاً على أبواب مرحلة جديدة, وقد تكون حاسمة, وكلام “لافروف” (بعد التخلي الأمريكي) المطالب بتحييد فصائل الثورة وانسحابها من مدينة حلب وقطع الجغرافية مع تركيا, هي مطالب “استسلام”, وهي مرفوضة جملة وتفصيلاً من قبل فصائل الثورة وداعميها, وكلام الوزير “كيري” الأخير المتضمن تهديداً “للأسد” للالتزام بالهدنة فيه لهجة تحدي جديدة قد تكون لحفظ ماء الوجه أمام المستجدات وقد تكون صادقة.

كل المؤشرات تقول أن إيران تورط روسيا, وأنها ومقابل الدفاع عن مشروعها الفارسي قد استعدت لمعركة “حلب” عبر الزج بأكثر من لواء مقاتل في جبهات حلب, وأن اللواء “65” لواء مغاوير الجيش الإيراني ليس هو الأوحد الذي تم إدخاله لجبهة حلب الجنوبية, فهناك خمسة ألوية إيرانية أخرى إحداها اللواء (23) مشاة, والمؤشرات تقول أن روسيا انساقت مع إيران وأدخلت وحدتين عسكريتين من المدفعية والمدفعية الصاروخية لتشارك في قصف جبهات وأحياء “حلب”, تمركزت الأولى في جبهة “الحاضر” في الجبهة الجنوبية والأخرى شرقاً في مطار “كويرس”, إضافة لعمل المجموعة الجوية الروسية (960) المتمركزة في قاعدة “حميميم” والتي تشكل الغطاء الجوي لكل معارك ميليشيات النظام وإيران وحزب الله في سورية وفي جبهات حلب وأريافها ضمناً.

أيضاً “حزب الله” زج بمزيد من قواته على جبهات القتال بالتزامن مع إمدادات جديدة وصلت لميليشيات “النجباء” العراقية ذات الثقل الأكبر في حلب.

على الضفة المقابلة, قادة “حلب” سارعوا لتشكيل قيادتهم السياسية والعسكرية عبر مجلسين لقيادة المرحلة القادمة, وحلب التي عاشت أسبوعين من قصف روسي_أسدي تسبب بدمار وتخريب ممنهج لكل مرافق الحياة (مشافي, نقاط طبية, مراكز دفاع مدني وفرق الإنقاذ, محطات تصفية المياه, جمعيات إغاثة, دور العبادة), و”حلب” تدرك أنها تدفع أثمان المواقف السياسية (المحقة) للوفد التفاوضي الرافض للتوقيع على صكوك الاستسلام التي يحيكها معظم أطراف المجتمع الدولي عبر وسيطهم الأممي”ديمستورا”, و”حلب” تقرأ جيداً أن كل المبادرات التي تم تقديمها ليست سوى وسائل التفاف غايتها الحصول سياسياً عما عجزوا عنه عسكرياً.

لكن “حلب” وأمام كل ما يجري, وبقناعة وتصميم من كل قادتها وبنادق ثوارها وأحرارها تدرك وتملك الثقة الكاملة أن النصر في النهاية سيكون حليفها, وأنه من تحت الركام ومن بين الأنقاض سيخرج من يؤكد أن “حلب” مستمرة بثورتها وأن شعارها كان ولا زال: الشعب يريد إسقاط النظام.

طبول الحرب تٌقرع على كل الجبهات, و”حلب” أيقونة الثورة ومركز ثقلها قد تشعل الأرض تحت أقدام الغزاة, فهل يدرك “لافروف” وحلفائه مخاطر المرحلة القادمة؟؟؟

الجميع بالانتظار …

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags: العميد الركن أحمد رحال