الصحفي اللبناني فداء عيتاني لـ (كلنا شركاء): الملف السوري غير قابل للحل عبر الأمم المتحدة

مضر الزعبي: كلنا شركاء

شهدت الأيام الماضية تصعيداً كلامياً غير مسبوق في الموقف الأمريكي تجاه الملف السوري، وصل إلى التهديد بضربات جوية لمواقع تابعة لقوات النظام، تزامناً مع تصعيد قوات النظام حملتها العسكرية ضد مدينة حلب بغطاء جوي روسي، ليتوج الموقف الروسي بمبادرة وقف إطلاق النار التي تم طرحها من قبل فرنسا.

وكصحفيّ متابع لتطورات المشهد السوري على الساحتين السياسية والميدانية، التقت “كلنا شركاء” بالصحفي اللبناني “فداء عيتاني”، لمعرفة حقيقة التصعيد الكلامي ومدى قابلية تحويله إلى أفعال على أرض الواقع، وكان معه هذا الحوار:

كيف تنظر للتصعيد الكلامي الأمريكي خلال الأيام الماضية، وهل تتوقع أن توجه أمريكا ضربات عسكرية لمواقع تابعة لقوات النظام والميلشيات المساندة لها؟

هو حديث الساعة، وربما أمل عند البعض، أن تتحرك الولايات المتحدة، في اللحظة الأخيرة قبل الانتخابات الأميركية، وتعدل من موقفها في سوريا، وتقرن القول بالفعل، ولكن هذا ما لن يحصل إلا بظروف شديدة التعقيد ولحسابات خارج الصراع السوري، والصراع على سوريا.

التصعيد الكلامي والسياسي الأميركي لا يعدو أن يكون الحفاظ على ملف الصراع في سوريا مفتوحاً على أقصى احتمالاته بانتظار الإدارة الأميركية الجديدة، حتى تقرر ما الاتجاه الأكثر توافقاً مع مصالح الولايات المتحدة، وكيف يمكنها أن تعقد مساومات مربحة.

من المفيد التذكير بما جاء على لسان وزير الخارجية الأميركية جون كيري في لقائه مع الناشطين السوريين، والذي نشرته نيويورك تايمز، أن الموقف الأميركي يستند إلى الشرعية الدولية، ربما هي من المرات النادرة التي تربط الولايات المتحدة حراكها العسكري وتدخلها في منطقة بقرارات الأمم المتحدة، ففي حرب العراق العام ٢٠٠٣ على سبيل المثال فشلت في الحصول على تغطية الأمم المتحدة، وذهبت الجيوش الأميركية تحت صفة “قوات احتلال” إلى بغداد، إلا أن واشنطن اليوم، ونظراً لمواقف ومصالح بانت منذ ضرب النظام السوري الغوطة بالأسلحة الكيميائية، لا تزال تعترف بالنظام كجهة شرعية، بينما تعتبر القوى الثورية “عصاة، ومتمردين”.

أي ضربة أميركية اليوم تجاه قوات النظام لن تكون أكثر من رسالة موجهة إلى الكرملين، وفي إطار التحذير من مواصلة التدخل الروسي بالانتخابات الأميركية، سواء عبر تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو عبر تسريبات ويكيليس حول المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون.

وماذا عن المقترح الفرنسي وهل تعتقد بأن الروس سيتعاونون في الاتفاق على قرار وقف إطلاق نار جديد؟

أظهر فشل المشروع الفرنسي بالمرور في مجلس الأمن أن كل الملف السوري غير قابل للحل عبر الأمم المتحدة، الصراع الدولي على أشده في سوريا، القرار الروسي أيضاً فشل، ويمكن الإشارة ببساطة إلى أن الدولتين، فرنسا وروسيا، على دراية مسبقة بأن القرارين لن يمرا، ولكن جرى إدراج القرارين في جلسة طارئة حول حلب، فقط لتسجيل مواقف في فترة ميتة سياسياً في سوريا.

طبعا روسيا غير معنية بقرار حقيقي لوقف إطلاق النار، وخاصة بقرار كما السابق الذي فرض في العاشر من أيلول، والذي أدى إلى خديعة روسية كبيرة، وانتهى بانهيار أي آمال لتحول وقف إطلاق النار إلى مدخل لمسار سلمي لتسوية النزاع والحرب في سوريا.

المصلحة الروسية هي في اكتساب كل شيء، روسيا تشبك علاقات واسعة مع العديد من الشخصيات المعارضة، سواء التي تملك وزناً أو تلك التي تطمح لأن يكون لها دور، أي دور، في مرحلة لاحقة، روسيا وعبر بعض الشخصيات التي كانت محورية في المعارضة، تسعى لإحراق كل القوى المدنية والعسكرية السورية الثائرة، أو المعارضة، وتجذب إليها هذه الأطراف، وتكسب سياسياً رويداً رويداً بفعل قصر نظر بعض هؤلاء، أو تعبهم من الحرب، أو فقدانهم للوزن والفاعلية في الداخل، وهي طبعاً لن تسعى إلى وقف إطلاق نار يعطي مساحة من الارتياح لمن تجهد لإنهاكهم.

كان ملاحظ خلال الأيام الماضية ومع استمرار عمليات الجيش الحر المدعوم من قبل تركيا في الشمال السوري (عملية درع الفرات) تراجع التصريحات من قبل المسؤولين الأتراك بخصوص ما يحدث في مدينة حلب؟

يعرف من يتابع الأمور في سوريا بأن تركيا التي دعمت فتح ممر “الكليات – الراموسة” عبر العتاد والتنسيق بين القوى، انسحبت لحظة لقاء قوات الجيش الحر في الراموسة بقوات جيش الفتح في الكليات، كانت تلك لحظة الابتزاز القصوى التي قامت بها تركيا لروسيا على الأرض السورية، أي إظهار قدرة تركيا على تعديل ميزان القوى وضرب أقوى مناطق النظام البرية دون التدخل المباشر.

المطلب التركي الدائم هو إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، ولكن المطلب التكتيكي كان الحصول على موافقة الروس على التدخل البري في الشمال، وهو ما تم بعد حوالي أربعة أيام من فتح ممر “الكليات – الراموسة” في مدينة حلب.

بعد تحقيق تركيا لمطلبها تركت الفصائل، وتركت حلب، طبعاً هذه طبيعة الأمور لدى الدول، في ظل نزاع مدول كالنزاع السوري، فإن كل طرف يحقق مصالحه المباشرة على دماء الآخرين، والآخرين هنا هم الشعب السوري، والمرتزقة من باقي الدول المحيطة والبعيدة.

هل تعتقد بأن الروس يسابقون الزمن ويسعون لفرض سيطرة النظام على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية قبل انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي؟

الأمر تماماً كما تصف، وكما سبق أن قلت بداية الحديث، فمن ناحية تهدف الإدارة الأميركية الحالية، عبر ممارستها التصعيد الكلامي وعبر الضغط السياسي وتقديم بعض الدعم لفصائل الجيش الحر وغيرها هو الحفاظ على الملف السوري مفتوحاً بكل الاتجاهات، وإبقائه حاضراً لأي تعديلات ممكنة حتى وصول الإدارة الديموقراطية الجديدة، وهو ما يتطلب الحفاظ على الواقع الحالي بأقل قدر من التعديل، وطبعاً دون أن تدفع الولايات المتحدة أي ثمن مقابل تجميد أو استقرار الامور، وهو ما يفسر هوس وزير الخارجية الأميركي بالهدنة ووقف إطلاق النار وفتح باب المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة، ومن جهة مقابلة فإن موسكو تسعى إلى تعديل سريع للواقع على الأرض، حتى تفرض على الإدارة الأميركية المقبلة شروطها المعروفة للحل في سوريا.

من جهة أخرى كان هناك صمت دولي كبير حيال عمليات تهجير والتغير الديمغرافي ولاسيما في محيط العاصمة، هل تعقد أن هناك إجماع دولي على ذلك؟

هناك اعتقاد جدي لدى المتابعين والمعنيين بالملف السوري، وخاصة في تلك المنطقة، ومن قياديين في الجيش الحر، بأن لا إرادة حقيقية في دعم وجود الجيش الحر، أو أي من الفصائل في محيط العاصمة السورية، ولا في القلمون الغربي ومناطق أبعد قليلا، إن القراءات الدولية تشير إلى هذه المنطقة بصفتها من المناطق الاستراتيجية للروس والإيرانيين وللنظام السوري، وأن العديد من المناطق آيلة للسقوط عاجلاً أم آجلا، وأنها بانتظار القرار الروسي، الذي يفضل سياسة التفاوض من أجل التهجير الديموغرافي، بعد فشل سياسة حزب الله، وكلفتها العالية إعلامياً ودوليا، أي تلك السياسة التي تعتمد الحصار من أجل التجويع والاقتحامات العسكرية الاستعراضية التي قد لا تأتي بالنتيجة المرغوبة في الزمن المطلوب.

نعم لا يوجد أي إرادة دولية لدعم هذه المناطق، وهذه المناطق صمدت بمفردها، وبالحد الأدنى من مقومات الصمود، وإرادة أهلها كما عبر أبناء مضايا والزبداني هي بالبقاء بأرضهم، وليس بالخضوع لسياسة التهجير إلى إدلب.

طبعاً المشروع الإيراني يحظى بغض طرف أميركي، ولا بد من أن يعترف الأصدقاء السوريون بأن واشنطن لا ترى أي مانع من أن تستولي إيران على سوريا، طالما هي في حالة من المصالحة مع طهران وطالما أنها تعيش تعاون “مثمر” مع طهران في العراق، فما المانع من ترك إيران تحصل على حصتها من سوريا وتثبيت نفوذها في مناطق محددة متاخمة للبنان وتشكل عصب الدولة السورية؟

هناك من يعمل على قسمة سوريا إلى قسمين، الأول هو القسم المستقر حيث يسيطر عليه النظام ورعاته من الإيرانيين والروس، والآخر هو الملتهب حيث تتحرك قوى الثورة والقوى الإسلامية الأخرى.

كان هناك تصريح لافت لزعيم ميلشيا حزب الله قال فيها إنه لا إمكانية لأي تسوية سياسية، وإن الحسم سيكون على الأرض، فهل تعتقد أن زعيم ميلشيا حزب الله دوره تجاوز التنسيق مع النظام، وبات هو من يحدد مستقبل سوريا؟

لا شك بأن حزب الله، في عمقه المفكر والفاعل، أو ما يعرف بالمجلس الجهادي، يعتقد بأن النظام السوري بحالة من الاهتراء تسمح له بلعب دور أكبر من حجمه، وتسمح له بمد يده إلى السياسة ومحاولة تحقيق طموحه، الذي بشر به الأمين العام للحزب حسن نصرالله حين قال “إن حزب الله قد أصبح قوة إقليمية”، إلا أنه في سوريا المحتلة محددات قوى وأطر أعقد مما نعتقد، لا يكفي تجاوز النظام السوري بلحظة اهترائه حتى تصبح قوة مرتزقة وفاشية دينية تحدد سياسة واتجاه الصراع، ثمة إيران وإرادتها، وروسيا ومصالحها، والميليشيات العراقية، والمرتزقة من كل حدب وصوب، وأصحاب الأموال والقوى الناهبة للبلد.

اقرأ:

الصحفي اللبناني فداء عيتاني لـ (كلنا شركاء): حزب الله ينقصه الموارد البشرية بالأساس





Tags: سلايد