on
مات فريير: إتفاقات السلام المحلّية السبيل الوحيد لتحقيق إستقرار سوريا
الجمهورية-
تجريد «داعش» من قاعدتها الإقليمية في سوريا، وتدمير قيادتها ومؤسساتها المالية، قد يكونا البداية، لكنّ ذلك ليس كافياً لتحقيق الاستقرار في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. فعندما أخلت حركة الشباب خطوط المواجهة في مقديشو في عام 2011، انخرطت في حرب عصابات، مثل عدد من حركات التمرّد الأخرى. وحده النقاش العام بين السوريين في الداخل وفي الشتات حول مستقبل مستقر، يمكن أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى إطار سياسي متقدّم وإصلاح دستوري، وفق ما يؤكّد الخبير البريطاني المتخصص في الأمن والاتصالات الإستراتيجية والاستقرار في مرحلة ما بعد النزاع مات فريير.يشرح فريير الذي سبق وعمل مستشاراً للحكومتين الأميركية والبريطانية، وللأمم المتحدة والإتحادَين الأوروبي والأفريقي في كينيا، ليبيا، الصومال وأفغانستان والعراق، في مقابلة مع «الجمهورية» الهدف من ورقته البحثية التي حملت عنوان«The Syrian Stabilization and Reconstruction …Lessons Learned for a Post-Conflict Syria» والتي نشرت من قبل The American Security Project (ASP) في حزيران 2016.
ويقول فريير: «الناس يمكنهم العمل معاً، إتفاقات السلام المحلية قد تشكّل بداية متواضعة، ويمكن أن تمتدّ لتشمل كلّ سوريا».
وعلى ضوء ما جرى في مقديشو، يرى فريير «أنّ إعادة البناء تعني الإستقرار، فعندما تتوسّع دائرة أصحاب المصلحة، التي تستثمر في السلام وتوفّر فرص العمل، تُبنى الثقة بالمستقبل.
فالأمر أكثر من مجرد وضع هياكل رسمية حكومية وإنشاء اقتصادات سياسية محلّية، بل بناء رؤية للبلد بأكمله بشأن مستقبله. لا بدّ من الإنطلاق من المستوى المحلّي إلى الأعلى – وليس من قِبل جهات خارجية فاعلة – وخلق زخم في النقاش العام الذي للولايات المتحدة وشركائها الديمقراطيين باع طويل فيه».
ولكن كيف يمكن تطبيق ذلك في سوريا؟
يقول فريير: «إنّ منصات الاتصالات ووسائل التواصل الإجتماعية توفّر فرصاً لإطلاق محادثات حول مستقبل سوريا. وفي النزاع، هناك حاجة ماسة للنقاش العام.
وينبغي أن يبدأ هذا النقاش الآن والمنظمات غير الحكومية السورية حتى لو غرقت في الإحباط بسبب ما جرى، ينبغي أن تقول ما تريد لبلدها، وهناك إمكانات هائلة لتنفيذ ذلك باستخدام التكنولوجيا للوصول إلى السوريين على مستوى العالم».
ويعتبر «أنّ المنظمات غير الحكومية يداً بيد مع وسائل الإعلام يجب أن تلعب دوراً في تقريب وجهات النظر وإيجاد الاهتمام المشترَك وتحفيز السوريين في الشتات للعودة والإستثمار، ليكونوا جزءاً من مستقبل سوريا».
ويرى فريير أنّ وسائل التواصل الإجتماعي هي فرصة يجب أن تُستخدم بشكل صحيح، لأنّ الكلمة هي أمضى من السلاح، ففي وقت لاحق، الناس سيغدون في حاجة إلى الجلوس وجهاً لوجه، وبناء الثقة».
ويضيف: «الدستور الموقت يحتاج إلى أن يُفهم ويحظى بدعم غالبية الناس، إنّ الأمور تتطلّب الكثير من المناقشات، حول موازين القوى والنظم الاقتصادية وتوزيع السلطة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلّية».
ويعتبر أنّ النموذج الصومالي مثيرٌ للاهتمام، فاللاجئون الصوماليون الذين استقروا في أوروبا وأميركا الشمالية في 1990 اليوم يوفّرون مصدراً للمهارات والاستثمار لموجة إعادة الإعمار الحالية في الصومال، مع عودة العديد من الشتات إلى بلدهم الأم».
ويقول فريير: «مستثمرو القطاع الخاص في الشتات كانوا ضمن مجموعة جديدة من أصحاب المصلحة الذين عملوا من أجل الاستقرار في مقديشو، وخصوصاً بعد أن تركت حركة الشباب عاصمة الصومال في عام 2011. ثقتهم وتحمّلهم المخاطر والاستعداد للاستثمار في إعادة الإعمار أدّى إلى شعور أكبر بالأمن، وهناك الكثير يمكن تعلّمه من هذه التجربة».
ويضيف: «وسائل الإعلام وصلت إلى الشتات الصومالي وربطتهم مع مواطنيهم في الداخل على رغم الفجوة بين المجموعات العديدة. يمكن تطبيق هذه الخطوة في سوريا والناس في حاجة للتعبير عن رغبتهم والمصالحة والتخطيط لمستقبلهم معاً».
ولكن هل ستسمح القوى الدولية والإقليمية بهذا الحوار؟
لا ينكر فريير «أنّ القوى الدولية والدول المجاوة لسوريا لديها مصالحها، ولكن عليهم وقف التدخل في سوريا». ويقول: «إذا أرادت الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي حماية مصالحها، عليها الطلب الى القوى الإقليمية الانسحاب. إذا أردنا لهذه الاتفاقات المحلّية أن تزدهر، يجب أن تضمن القوى الدولية حمايتها وتأمين تنفيذها».
في الصومال على سبيل المثال، عندما وصلت القوى الدولية إلى تسوية في هذا البلد، «قررت دول الإتحاد الأفريقي تقليص تدخّلها (كينيا وبوروندي في المقام الأول). وما يبدو تحدِّياً الآن قد يؤدي إلى نهج جديد في المستقبل»، حسب فريير.
ولكن ألن تؤدّي هذه الاتفاقات إلى تقسيم سوريا؟
يقول فريير: «اليوم على الأرض تبدو سوريا مقسّمة، كيف سيكون الوضع في المستقبل، وتوزيع السلطة، وربما ستكون هناك مصالحة وأن يعمل الناس معاً، وحماية الأقلّيات».
فريير يؤمن بأنّ «الاتفاقات المحلّية لن تكون نهائية، قد تتوسّع لتشمل كلّ البلاد، وقد يكون لها مفعول الدومينو، إذا صمدت في وجه القوة الوحشية، سيستغرق الأمر وقتاً، إذا اردنا نتائج مغايرة ما جرى في العراق وأفغانستان، الصبر هو أساسي في هذه الحالة».
ويعتبر فريير أنّ الدول الغربية ركّزت على القوة العسكرية في العراق وأفغانستان ودعم الحكومات المركزية وأطلقت مشاريع تنموية ضخمة، لكنّها لم تؤدِّ إلى نتائج مثمرة، بسبب عدم الإصغاء الى الناس، فوضع الخطط كان يُجرى في نيويورك ولندن، وبروكسل.
لذلك الدروس المستفادة، أنّه من أجل تحقيق التنمية، نحن في حاجة إلى التركيز على الشعوب والحكومات المحلّية وإعطاء الأمم المتحدة مزيداً من النفوذ لاحتواء النزاعات.
ما الذي يبقى ناقصاً؟
الحكومة الأميركية وشركاؤها في سوريا يجعلون أولويتهم الحرب على «الإرهاب الدولي»، ومن غير الواضح، حسب فريير، كيف ستساهم السياسة الحالية بتحقيق السلام للسوريين، فـ»الدروس من العراق وأفغانستان ليبيا والصومال لا تزال واضحة أمامنا».
ويقول: «إنّ تسخير قوة كبيرة من الحلفاء الدوليين في تدمير الأنظمة أو المنظمات، بعيد كلّ البعد عن أن يكون كافياً لخلق الاستقرار. علاج الإرهاب الدولي ليس بتدمير المنظمات – لا يمكنك القضاء على فكرة وبدلاً من ذلك، التوازن في رصد الموارد والجهد يجب أن ينصبّ على بناء إيجابي في العمل السياسي
والأفكار – وأفضل مكان لذلك أن يحدث هذا الأمرُ محلّياً». ويتابع: «قد يبدو من السذاجة عندما يبدو السلام بعيد المنال، والناس في حلب تحت القصف، لكننا في حاجة لتسليح الناس بالأفكار إلى جانب الأسلحة. وفي عصر الانترنت ليس هناك شك في أنّ هناك فرصاً كبيرة لتأمين الحشد والدعم لبناء الأفكار السياسية».
ويؤكّد فريير أنّ «الكارثة المروعة التي نتجت عن سقوط الاتفاق الروسي- الأميركي في شأن الهدنة على المستوى الوطني، تُظهر أنّ التقدم لا يمكن أن يتمّ الاتفاق عليه بعيداً من البلاد. ما هو مطلوب الاستثمار على نحوٍ كاف – في تعزيز الأفكار المحلّية، والقيادة، والسلام هو البديل المناسب – أو المكمّل للمفاوضات التي تجرى على مستوى عال».
ويختم فريير حديثه بإستبعاد أن ترسل الإدارة الأميركية الجديدة قوات إلى سوريا إذا لم تكن لديها خطة واضحة.
اقرا: البابا يدعو إلى (وقف إطلاق النار فورا) في سورياTags: محرر