on
سعاد خبية: ليلة حمراء على الطريقة (الأسد-روسية) تُشعل ليل دوما بالفوسفور
سعاد خبية: كلنا شركاء
اعتدنا القصف والغارات الجوية حتى أن ابني الصغير ” مجد “ ذو الثمانية أعوام بات يستطيع بسهولة تحديد نوع السلاح المستخدم لقتلنا ومكان الاستهداف إن كان قريبا أو بعيدا عن بيتنا ، طفل لم يرى منذ بدأ وعيه يتفتح سوى الحرب والقصف والغارات ، حتى بات متخصصا في تحديد نوع سلاح الجريمة من خلال صوت الانفجار أو رائحة الدخان المنبعث منه ، ولكن في هذه الليلة خانته معرفته ، فوقف مشدوها مرتبكا وقد صحا من نومه فزعا من صوت الطائرة والانفجار المرعب الذي أحدثته ، متلعثما في كلماته وتصوراته بدأ يصرخ أمام النافذة بشكل هستيري ” لقد سقطت الشمس علينا ..لقد سقطت في الساحة القريبة ياأبي ،رأيتها تشتعل وهي تهوي انظر الدنيا كلها تشتعل حولنا سنحترق كلنا ” كان هذا صوت أبو المجد وهو يشرح منفعلا ماجرى في الليلة الفائتة التي عاشها مع أسرته وقد غارت عليهم طائرة حربية بعد منتصف الليل، يقول أبو المجد وهو مسعف يعمل مع فريق الدفاع المدني بأنها طائرة روسية تجرب سلاحا جديدا بهم ، هذا وقد أعلن الدفاع المدني عن اندلاع ثمانية حرائق كبيرة جراء ثلاثة غارات جوية للطيران الحربي بقنابل فوسفورية، استهدف دوما في الغوطة الشرقية وخان الشيح في الغوطة الغربية .
كانت ليلة بألوان الموت الذي عرفه وتذوقه أكثر من ستمئة ألف شخص محاصرين منذ أربع سنوات متتالية في هذه المدينة ومحيطها من مدن الغوطة الشرقية ، امتزج فيها لون الدخان الأبيض باللهب الأحمر ، يصرّ أهالي المدينة على القول بأنها ليلة روسية حمراء بامتياز مؤكدين على أن الطائرات الروسية تقوم بتجريب ما تنتجه من أسلحة مدمرة في بلدهم ، لم يحدث بحسبهم أن استخدم الفوسفور في هذه المنطقة قبلا ، غير أنه استخدم اليوم ، خطوة قرأها الأهالي على أنها رسالة ضغط وتهديد جديدة تؤذن بمرحلة مختلفة ولربما أشد قسوة ، إنه السلاح الفوسفوري اليوم ، هذه المرة الأولى التي يتم استخدامه ضدهم غير أن النظام استخدمه قبلا في إدلب وريفها، وريف حمص الشمالي، وحلب الشرقية، ومدينة داريا بريف دمشق، وأخيراً في دوما وخان الشيح .
هذا ماحدث ..
يتحدث أحد مسؤولي الدفاع المدني عن صعوبة بالغة واجهتهم في إطفاء الحرائق والتي تعود بدورها للاشتعال مجدداً مع أي احتكاك، مايؤكد بحسبه استخدام الفوسفورالمحرم دوليا من قبل طائرات النظام والروس معا هذه المرة ، ويضيف أنه نظراً لعدم توفر المواد الأساسية في إخماد الحرائق كالفوم والبودرة،فقد لجأ الدفاع المدني لاستخدام الماء والتراب لإطفاءها ، يقول يونس أحد موظفي المجلس المحلي “ أطلقت الطائرة صاروخا ففرشت مكوناته دائرة واسعة في السماء وصنع بأضوائه المنبعثة مايشبه الشجرة الكبيرة أو الثريا ، هطلت منها كتل نارية ملتهبة ،كل منها عبارة عن مستوعب عنقودي انفجر بدوره قبل أن يلامس الأرض وتطايرت منه مستوعبات أصغر على شكل شظايا نارية حفر بعضها الأرض ودفن فيها ومع ذلك بقي مشتعلا حتى استهلك جميع مادته فانطفأ ، وتشير المعلومات إلى أن الفسفور الأبيض يحترق بمجرد ملامسته للأوكسجين منتجًا ضياء ساطعًا وكميات كبيرة من الدخان كما تشير المعلومات ، يستمر في الاشتعال عند ملامسته جلد الإنسان ، فيحرق كل الطبقات حتى يصل إلى العظم فيتحول جسم الإنسان لقفص من الفحم الأسود ،.
يتابع يونس حديثه لم تنفجر جميع المستوعبات في وقت واحد بل إن بعضها انفجر بعد دقائق بشكل متتالي مايدل على أنها مربوطة بمؤقت زمني لإحداث أكبر عدد من الاصابات ، فيما أخذت أخرى وقتا اطول لتنفجر حين تحريكها أو ملامستها أو حتى دون سبب ، وضع حرج ومخيف في منتصف ليل مظلم أثار حالة فزع لم ينتهي الأهالي من الحديث حولها طيلة اليوم التالي ومابعده ، وخاصة أن تلك الكتل المحشوة بمادة الفوسفورسقطت دون أن تنفجر بشكل متفرق في مناطق تحكمها الظلمة التامة مع غياب الكهرباء عن الشوارع بشكل كلي وهو ما أعاق كثيرا عمليات الإطفاء ، وحدَّمن حركة الأشخاص في المنطقة المستهدفة خوفا من دوس أحد تلك المستوعبات الصغيرة وانفجارها ما وسع دائرة الحرائق.
حييّين ذي كثافة سكانية عالية استهدفهما القصف ، التهمت النيران التي كانت عصية على رجال الإطفاء والأهالي أجزاء واسعة من هاتيين المنطقتين ، احترقت تسع سيارات بشكل كامل مع بيتين كاملين وعدد من الأبنية تضررت كما استُهدفت مدرسة ومقر للدفاع المدني ،ولكنها لم تحدث اصابات بشرية كبيرة بسبب انكفاء الناس في بيوتهم في هذا الوقت المتأخر غير أن رائحتها الحارقة النفوذة بشدة تسبب بحالات اختناق كثيرة ، بدأ الأهالي بحسب افاداتهم فور اشتعال النيران بمحاولة اخماد ها باستخدام الماء وهو مازاد في إوارها ، وتمددها ، مالبسوا أن اكتشفوا أنها مادة الفوسفور الابيض وعليهم خنقها بواسطة الرمل والتراب .
الفوسفور ينهش الأجساد
تشير المعلومات إلى أن دخان القنبلة الفوسفورية لايتفاعل مع الملابس أو الأثاث لكنه يتفاعل حين يلامس الجلد، أو أي مادة مطاطية ، يصيب الدخان الأبيض الكثيف الأشخاص الذين بتعرضون له بحروق لاذعة وعميقة في الوجه والعينين والشفتين ، صمم هذا الدخان الأبيض ليقاوم الكمامات الغازية المعدة للحروب الكيمياوية، لذا من العبث الاعتماد عليها للوقاية منه ومما ينتج عنه من غازات ، يؤدي استنشاق هذا الغاز إلى أضرار كبيرة جداً في القصبة الهوائية، والرئتين ، وعند التعرض للدخان يجب التنفس من خلال قطعة قماش مبلولة بالماء، وإذا كان الدخان كثيف توضع على الوجه كاملاً خاصة للأطفال لحماية العيون والجهاز التنفسي.
هواجس مشروعة ..
” أخاف أن أنام حتى لا أستيقظ على صوت هدير الطائرة وانفجار حمولتها ليلا لذا سأبقى مستيقظا حتى الفجر ..لاتتخيلين مدى بشاعة وهول شعور الاستيقاظ على صوت غارة جوية فكيف لو أنها تقصفنا بالفوسفور والعنقودي وتحول ليلنا المظلم إلى كرة ملتهبة ؟! ” يقول أبو أيمن وقد خسر جزءا من بيته في الليلة الفائتة ،لايزال صوت صراخ الأطفال الهستيري في الليل وقد استيقظوا مفزوعين من هول ماجرى ومن ضوضاء لهيب الحرائق ينخر أذنيّ ويصيبني بالارتجاف الكلي ..يتابع ، لم ينم أحد في هذين الحييين ليلة أمس خوفا من استئناف القصف واحتراق مزيد من الأحياء ، ” الساعة السادسة صباحا كنت لا أزال أحاول مع آخرين اخماد بقايا الحرائق دون جدوى والرائحة تحاصرنا كسلسلة فولاذ صدأ تلتف بقسوة حول رقابنا فلا تنطفأ حتى تأتي على كامل الشيء المحترق وتبقى الرائحة .
إنها رسالة تهديد لا أكثر
هكذا قرأ الأهالي هذا القصف الليلة وهدير الطائرات يعزف فوق رؤوسهم سيمفونية التهديد والوعيد ، وروائح الحديث عن الهدنة تزكم الأنوف والأسماع كما رائحة الفوسفور المشتعل ، الكل يقول هنا ” كنا ننتظر ماسيفعله الأسد هذه الليلة وقد عشنا ثلاثة أيام متتالية سابقة دون قصف ، هذا أمر نفهمه عادة على أنه تمهيد لتالي أعظم وأكثر اجراما ، نعم هناك حديث عن هدنة مرتقبة وقد تعودنا أنه مع كل حديث عن هدنة أو مصالحة فإن النظام يطور من أدواته وأسلحته المستخدمة ضدنا لخلق مزيد من البلبلة والضغط على الأهالي دون أي نتائج مفيدة ، يشير البعض إلى أن يوم غد على الأرجح سيدخل مدينة دوما وفد مفاوض قادم من دمشق بعد هذه الرسالة الحارقة ليقابل قادة الفصيل المسيطر لبحث مشروع جديد لهدنة مرتقبة ”
لايتوقف الحديث عن الهدنة ومفاعيلها والضغوط والشروط والارهاصات المتعلقة بها داخل مدينة دوما والغوطة عموما حتى بات الأمر على أهميته كما علقت إحدى الناشطات في المدينة ” حديث يُمّل ويُمّل ” فقد تكرر دخول وخروج الوفد المفاوض إلى المدينة قادما من دمشق مرات عديدة دون أي يُحدث أي فرق ، كان أخر تلك الدخولات واللقاءات المشتركة قبل أسبوع فقط ، لايلح النظام على عرض رؤيته واضحة في قضية الهدنة هنا ، فيما يسرب البعض بأنه لايضع شروطا قاسية لإتمامها وبأن له مصلحة كبيرة فيها ،فهدنة في دوما ستكون اساس لهدن أخرى في الغوطة تزيح عن النظام عبئا كبيرا وتسهل خطته في فرض هدن مشابهة على باقي مدن وبلدات الغوطة وهو ينتهج سياسة الهدنة “بالمفرق ” ، وقد توقف تلك الهدنة كما يقول مؤيدوها من المحاصرين آلة القتل التي لاتتوقف مطلقا في هذه المنطقة ، يترقب الأهالي موعدا لوقف المذبحة المستمرة التي تطالهم منذ سنوات وقد طال بقائهم تحت رحمة الطيران والقصف وما ينتجه من ألوان الموت دون أي حماية ولاتغيير في خارطة الوضع نحو أي تطورات ايجابية على صعيد الأمن والاحتفاظ بمناطق السيطرة ، فيما لازال قادة جيش الإسلام وهم الفصيل المسيطر على المدينة غير واضحين في هذه القضية ، ويرفضون الحديث العلني عن الهدنة ومجرياتها وأسباب رفضهم لها كما يُروج رغم اللقاءات المشتركة .
واقع مأساوي
واقع مأساوي مزمن تعيشه الغوطة الشرقية عامة كباقي المدن السورية المشتعلة ومحاولات من النظام لاقتحام المنطقة واستعادة مناطق عديدة حول المراكز الكبرى بهدف احداث مزيد من التضييق والخنق للأهالي المحاصرين والذين لايملكون من أمرهم شيئا ، معارك واشتباكات وتقدم للنظام في بعض المناطق في الغوطة الشرقية وصلت حدود مدينة دوما وهي المدينة الأكبر فيها ، دُق ناقوس الخطر حين بدأ الحديث عن وصول قوات النظام إلى مزارع الريحان وما أُعلن من سيطرة قواته على كتيبة الاشارة ، وتحريك معارك في تل كردي ، تحاول قوات النظام حصار بلدة الريحان الملاصقة لمدينة دوما من جهة كتيبة الاشارة ومن جهة تل كردي لتغدو بلدة الشيفونية في مرمى يده وكلها بلدات محاذية لدوما ، وتقضي خطته بحسب مايشير أحد المتابعين داخل المدينة إلى أنه يريد السيطرة على تلك البلدات عن طريق حصار المقاتلين داخلها ،وقطع الطريق لها ، وبذا يضيق الخناق على المناطق الزراعية المتاخمة والتي تعتبر سلة غذاء الغوطة .
لاتغيير في السياسات العسكرية المعتمدة داخل الغوطة الشرقية وهو ما يجعل تخوف البعض من محاولات اقتحام النظام لها وانتقامه من المدنيين الواقعين بين المطرقة والسندان واقعيا ومشروعا ، فلازال التشرذم والفرقة هما الطابع العام الناظم لعلاقة الفصائل العسكرية فيما بينها وفي استراتيجياتها القتالية والدفاعية ، وهاجسها المفرط بالتركيز على الشأن الأمني الداخلي وعلى صرعها البيني ، لقد وصلت الخلافات فيما بين قادة الفصائل سابقا حد الاقتتال الدامي والتمترس في مناطق نفوذ وسيطرة وكانتونات مغلقة على كل فريق ، واستخدام السلاح الثقيل ضد بعضهم البعض ما أوقع مئات الضحايا بين تلك الأطراف ، وخلف شعورا بالنفور والكراهية بين سكان المناطق المتلاصقة وعناصر تلك الفصائل ، فيما أجبر الخطر الداهم اليوم والذي يهدد بخسارة المزيد من المناطق واستنزافها لصالح النظام تعاونا عسكريا بين الفصيلين المتحاربين الأكبرين في الغوطة مؤخرا (فيلق الرحمن وجيش الاسلام ) عبر مشاركة عناصر من الفيلق في معارك يقودها جيش الاسلام على بعض الجبهات ولكن ذلك التعاون لم يثمر تغييرا جوهريا في الاستراتيجيات العامة والبنيوية لفصائل الغوطة وهو ما يثير المزيد من المخاوف ،في ظل واقع اقتصادي وأمني ضاغط وغير مستقر ، ويشير بشكل متعاظم إلى أن أيام الغوطة عموما ودوما على الخصوص لاتزال مفتوحة على المزيد من الليالي الحمراء روسية كانت أم أسدية في ظل انعدام أي أفق لحل مرتقب .
Tags: سلايد