نيويورك تايمز : كيف سعى النظام لهزيمة القوى السنية الكبرى في المنطقة؟

كلنا شركاء: نيويورك تايمز : التقرير

ربطت تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر، 3 من القوى السنية الكبرى في الشرق الأوسط، مواقفها في المنطقة بنتيجة الصراع المسلح الذي شهدته سوريا على مدار السنوات الـ5 الماضية. فمنذ الانتفاضة التي اندلعت ضد نظام الديكتاتور السوري بشار الأسد في العام 2015، أظهرت البلدان الثلاثة دعمًا مطلقًا للمعارضة المسلحة في قتالها ضد الأسد.

وفي الشهور القليلة الماضية، بات واضحًا أن أنقرة والرياض والدوحة كانت في المعسكر الخاسر في الحرب السورية. فالأحداث الأخيرة، مثل سقوط حلب الشهر الحالي، أجبرت تلك الدول على تعديل استراتيجياتها. وأثبتت اتفاقية وقف إطلاق النار التي تمت بوساطة روسية – تركية، وأعلنت عنها، الخميس الماضي، أنَّ القوة هي ما تقود الدبلوماسية في الشرق الأوسط.

وبين عشية وضحاها تحولت الجماعات المعارضة التقليدية التي تدعمها تركيا والسعودية وقطر منذ العام 2011، إلى مجرد معارضة في المناطق الريفية. وسيعني هذا أنهم باتوا لا يشكلون سوى تهديد أقل لحكومة الأسد، لكنهم يواجهون خطر الهزيمة على أيدي الجماعات الجهادية، أو حتى الانضمام لصفوفهم.

وقريبا ستصبح هذه المعارضة أكثر صعوبة، لاسيما إذا نفذ الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب تعهداته بوقف المساعدات الأمريكية لها، وزيادة التعاون مع روسيا في محاربة الجهاديين في سوريا.

وبالنسبة لتركيا والسعودية وقطر، يثير هذا الوضع تساؤلات أخلاقية وسياسية عريضة، فإذا لم يعد النصر العسكري ممكنا على أرض الواقع، فلماذا ينبغي عليهم مواصلة دعم المعارضة على حساب أرواح مزيد من المواطنين السوريين؟، وهل بوسع الدول الثلاث ومن يعمل بالوكالة عنها من المسلحين خلق مناطق تأثير تتيح لهم العودة للمشهد مجددًا وتشكيل مستقبل سوريا؟، وهل ينبغي على رعاة الجماعات المعارضة تقليص خسائرها وإجبار المسلحين على الاستسلام مقابل ما يمكن أن تعرضه عليهم موسكو من تعويضات، مثل تخفيف السياسة التركية في وسط آسيا ومساعدة السعودية على الخروج من مستنقع اليمن؟، أم هل ينبغي على الدول الثلاث ترك المعارضة المسلحة ريثما تلقى حتفها ببطء؟، ألا يقود فعل ذلك إلى زيادة العدوان الإيراني وإثبات حقيقة مقولة الجماعات الجهادية إن الدول العربية عاجزة؟.

ومن بين القوى السنية الثلاث، كانت تركيا الأكثر انخراطًا في الأزمة السورية. ففي الصيف أرسلت أنقرة قوات إلى حدودها لكبح جماح مسلحي تنظيم الدولة، واحتواء المجموعات الكردية في سوريا (وأيضا في تركيا) الساعية للحصول على الاستقلال.

ومنذ أن فقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رصيده لدى الولايات المتحدة وأوروبا جراء قمعه للمعارضين في الداخل، اتجه الرجل إلى روسيا ظنا منه أنه سيجد بغيته على ما يبدو. وتستغل موسكو حالة الضعف التي تظهر عليها أنقرة، وشعور الأخيرة بالامتعاض بسبب ما تراه أنه خيانة من الغرب لها.

وأدى هذا إلى تغيير قواعد اللعبة في الحرب السورية. فقد قبلت تركيا بسقوط حلب مقابل اعتراف واقعي بمنطقة نفوذها على امتداد الحدود السورية – التركية. وبدلا من دعم الجماعات المعارضة التي تقاتل في حلب أو حتى على الأقل تضغط على قوات الأسد التي تحاصر المدينة، سارعت أنقرة إلى الاستيلاء على المناطق من مسلحي “داعش” قبل أن يفعل الأكراد.

وفي الحقيقة، تحاول تركيا الآن أن تقنع الرأي العالم الإسلامي في الشرق الأوسط، أن انخراطها في الدبلوماسية التي تقودها روسيا كان يهدف بصورة أساسية إلى مراقبة الطموحات الإيرانية، وضمان انسحاب ميليشيات حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية الأخرى من سوريا، والحصول على ضمانات بأن الأسد سيكون خارج المشهد السياسي السوري.

وترغب تركيا أيضًا أن تضم كل من السعودية وقطر في هذه العملية، بغية إثارة استياء إيران، لكن أيا من الدولتين الخليجيتين لن تتخلى على الأرجح عما بقي من المعارضة السورية، إذ إن تكلفة ذلك ستكون باهظة، فسمعة البلدين ستهتز بقوة، وسيفقدان أوراقهما اللازمة للتأثير على سير الأحداث في البلد العربي الذي مزقته الحرب، وفوق هذا وذاك، لن تتحمل الرياض أو الدوحة اتهامها بأنهما تخليتا عن أشقائهما من الدول السنية.

وسترفض البلدان أيضًا الجهود التي سيبذلها عدد من الدول الغربية والآسيوية والعربية بتطبيع العلاقات مع الأسد الذي سيظل في أعينهم العدو الأول الذي ينبغي الإطاحة به بأي ثمن.