on
د. حبيب حداد: أي مستقبل يرتجى إذآ بعد تزييف التاريخ وتدمير الحاضر ؟
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
الْيَوْمَ هو الْيَوْمَ الأخير في العام الذي مضى وغدا هو الْيَوْمَ الأول في العام القادم . وحساب الأيام والسنين في منطق الزمن واحد لا فرق بين اي منها وآخر . لكن حساب الأزمنة في منطق التاريخ والمصير والمستقبل وسلم التقدم يختلف ويتباين نوعيا حسبما تحمله الأيام والسنون والمراحل والحقب التاريخية من احداث وتطورات تتصل بمصير الأفراد والجماعات ، وكذا بأوضاع الأمم والشعوب بل الانسانية كلها ،وخاصة في عصرنا الراهن اي عصر العولمة ، وذلك بغض النظر عما اذا كانت تلك الأحداث والتطورات تمثل صورة إيجابية في آفاق التطور الحضاري الإنساني في مسار الحرية والتقدم والسلام ، أم صورة سلبية وتراجعية نحو مهاوي التخلف ومواجهة مختلف أشكال الهيمنة والقهر والتوحش والعدوان .
الْيَوْمَ والشعب السوري يودع العام الذي انقضى ويتأهب لاستقبال العام الجديد ،فلا شك ان السؤال الذي يراود كل فرد فيه سواء كان في داخل الوطن أم في الشتات هو ماذا سيحمل لبلاده العام الجديد ؟ هل ستتواصل مأساته الانسانية والوطنية أم سيوضع حد لهذه المأساة اذا اقتنع المجتمع الدولي فعلا بان المسالة السورية لم تعد منذ سنوات شأنا وهمآ سوريين بل أضحت مسؤولية دولية ترتب على المجتمع الدولي وخاصة الامم المتحدة دورا أساسيا في تنفيذ قرارتها المتعلقة بالحل السياسي لهذه الأزمة المستفحلة والمهددة للسلام والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم كله .
خمس سنوات انقضت والتراجيديا السورية التدميرية ما تزال تنزف ولم تعرف نهاية فصولها بعد ، وذلك منذ ان تم حرف مسار كفاح الشعب السوري ضد نظام الاستبداد والتخلف والفساد ومن اجل الحرية والكرامة والديمقراطية ، بفعل العسكرة والأسلمة والتطييف والتدويل . خمس سنوات انقضت وسورية ما تزال ساحة حرب مفتوحة لصراع الأجندات والمصالح الدولية فوق أرضها وفي سمائها ومياهها . خمس سنوات انقضت منذ اغتيال أهداف انتفاضتهم الشعبية السلمية والسوريون يواصلون سفك دماء بعضهم بعضا وتدمير بنى مؤسسات دولتهم وبحماس أهوج تغذيه غرائز الحقد الأعمى وردود الأفعال المجنونة من خلال شعارات تطرح واعلام ترفع لا علاقة لها من قريب او بعيد بكل الإنجازات والقيم والمبادىء الانسانية التي ميزت تاريخ سورية وشعبها منذ آلاف السنين ، ولا علاقة لها بجوهر او ماهية هويتهم التي يدعون سواء كانت هوية وطنية سورية أم هوية عروبية أم إسلامية أم إنسانية أم عولمية ؟؟؟
ونحن السوريين اذ نقف الْيَوْمَ في هذه المناسبة وقفة تقييم ومراجعة للحصاد المر للسنوات الماضية من عمر انتفاضة شعبنا التي قدم فيها أغلى التضحيات فإننا مقتنعون كل الاقتناع ان مايبرر تفاؤلنا هو مدى استيعابنا للدروس والأخطاء التي قادت الى الوضع الكارثي والمحنة الوجودية التي يعانيها وطننا الْيَوْمَ . ولعل في مقدمة تلك الحقائق التي ينبغي ان تحرص ارادتنا الجماعية على عدم التفريط بها هي تمسكنا بقرارنا الوطني المستقل كي نمارس حقنا في تقرير مصيرنا في بناء سورية الجديدة ، سورية الديمقراطية العلمانية لجميع ابنائها دون اي تمييز او تهميش . وهي نفسها الحقيقة التي تستوجب علينا نحن الديمقراطيين السوريين تجاوز تشكيلات المعارضة القائمة حاليا والتي تدعي لنفسها شرعية تمثيل الشعب السوري والتي ثبت فشلها للقاصي والداني ، ومحاولة إيجاد جسم جديد يعبر مرحليا عن إرادة الشعب السوري . لقد استمر العديد من أعضاء تلك الهياكل المصنعة طوال السنتين الماضيتين ، سواء منهم الذين انسحبوا منها او الذين بقوا داخلها ، في تقييمهم للدور السلبي على القضية الوطنية الذي كان نتيجة وجود تلك التنظيمات وما قامت به حتى الآن ، فكيف يمكن تفسير او تبرير تلك الدعوات التي ما تزال حتى الْيَوْمَ تكرر تلك النغمة الممجوجة بان مايمثل المعارضة والشعب السوري حصرا هو الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض كامل المزايا والأوصاف !!!
ان اخطر ما شهدته بلادنا خلال السنوات الماضية من عّمرانتفاضتها الوطنية التحررية المغدورة وما عاني منه مجتمعنا و،ما يزال ، هو الحملات الإعلامية الموجهة والمسمومة التي تمارسها مختلف الفضائيات والمملوكة من كل الدول والاطراف التي لا تريد الخير لشعبنا ، ولنعترف ان تأثير هذه الوسائل وخطرها كان وما يزال بليغا لدرجة كبيرة في افساد الرؤية الموضوعية لمعطيات الواقع و،تشويه الوعي العام ،وفي تدمير أسس الوحدة الوطنية الهشة أساسا في مجتمعاتنا بسبب افتقادها لدولة المواطنة . هكذا شهدنا منذ انطلاقة ثورات الربيع العربي حملات محمومة ومدروسة لتشويه تاريخنا وتزييف أهداف وتطلعات شعوبنا وتصوير هوياتها الوطنية كأنها هويات خارج التاريخ او انها في صراع وتناقض مع القيم الانسانية المشتركه . ان هذه القضية من وجهة نظرنا اي استعادة الوعي العقلاني السليم للتعامل مع معطيات الواقع الذي يعيشه وطننا الْيَوْمَ ومواجهة التحديات المتوقعة هي قاعدة الانطلاق لتقويم اتجاه بوصلة عملنا وجهودنا المشتركة .
علينا ان نتمسك دوما بالمطالب والحقوق التي انتفض شعبنا من اجلها وان نسلك في سبيل ذلك الطرق الصحيحة ونستخدم الأساليب الناجعة التي تسمح بتحقيق تلك الأهداف في إطار وحدة بلدنا أرضا وشعبا ودولة وقبل ذلك علينا ان نستخدم في شرح مواقفنا خطاب العقل والصراحة والشفافية وان نبتعد عن الديماغوجيا والخطب الشعبية وتزييف الحقايءق واثارة الأحقاد .
ان تجارب كل الشعوب التي خاضت حتى الان معارك الحرية والتحول الديمقراطي وانهاء الأنظمة المستبدة التي لم يعد لها مكان في هذا العصر إنما تقدم لنا ابلغ الدروس في ان تحقيق هذا الهدف المصيري ، أي هدف بناء حياة حرة كريمة في مستوى العصر ،إنما يتطلب توفر عدد من العوامل الرءيسية في مقدمتها ثقة الشعب بنفسه وبقدراته الذاتية ، ثم إيمانه المطلق بعدالة قضيته ،ثم الحرص كل الحرص على صيانة وحدته الوطنية ،وأخيرا وليس آخرا ان نقتنع نحن السوريين ان هذه العوامل الثلاثة التي ذكرناها هي التي تشكل مصدر القوة الأساس لشعبنا وهي التي تجعل موازين القوى في كفاحه العادل لصالحه سواء على الصعيد السياسي أم الميداني وليس ما يصنع موازين القوي الحقيقية ويرسم بالتالي مستقبل وطننا المجموعات المسلحة غير الشرعية من كل الأطراف المتقاتلة على الأرض . ذلك هو درس التاريخ الأهم مهما كان حجم الصعوبات ومهما تعاظمت التضحيات ، وهو ان قوة الحق لا بد ان تقهر هيمنة حق القوة …
من حقنا ان نتفاءل إذن نحن السوريين بان يكون العام الجديد عام الخلاص لوطننا وعام الوحدة والسلام والإخاء بالنسبة لشعبنا ، معاهدين أنفسنا وفاء لتضحيات كل شهدائنا ان نستعيد ذاتنا المغيبة ونكون في مستوى هذا الرهان والتحدي التاريخي الحضاري الذي يواجهه مصيرنا ….
Tags: محرر