on
كامل عباس: في عجز اليسار السوري عن فهم طبيعة الثورة
كامل عباس: كلنا شركاء
أصبحت عبارات اليسار السوري بكل تياراته ورموزه – بما فيها المتعاطفة مع الثورة – على كل شفة ولسان في سوريا فمن قائل :
انا لا أشارك في مظاهرات تخرج من الجوامع .
الى ثان يصف من ينادي بدولة مدنية بالبله لأنه لايستبدلها بدولة علمانية .
الى ثالث يأخذ على الثورة عجزها عن فرز قيادة ثورية على رأسها قائد كارزمي يقودها الى النصر .
وجميعهم يتهمون كل من يطالب بتدخل خارجي لنصرتها بالخيانة .
أمامي مقال من هذا النوع بعنوان – في عجز الثورة السورية – الحياة 11/3/2017 للكاتب عمار ديوب ورد فيه الكثير من تلك الأفكار مثل قوله
لم تستطع الثورة تشكيل قيادة ثورية .
المعارضة والنخب السورية أداة للتحكم االاقليمي والدولي بالثورة !
لم تستطع الثورة إبعاد القوى السلفية والجهادية عن مدنها ومناطقها .
وقد أنهاه بهذه الكلمات : لم تبن الثورة إستراتيجية وطنية تنهي أشكال التدخل الخارجي كافة وإظهار قيادة ثورية تمثله .
بكل أسف ومرارة أقول: لم يفهم اليسار السوري طبيعة الثورة لأنه ينظر اليها بمنظار الأفكار الماركسية القديمة عن الثورات التي تجاوزها الزمن .
والثورة كما عرفها التاريخ سابقا هي الإطاحة بالنظام القديم واستبداله بنظام جديد , والاطاحة كانت تتم بقوى داخلية حيث كل ساحة معزولة عن الأخرى. لكن ثورات الربيع العربي وفي القلب منها الثورة السورية جاءت في وقت يمتلك فيه أي نظام في العالم أسلحة متطورة كفيلة بالقضاء على الشعب بأكمله, والحسم انتقل من الداخل الى الخارج في ظل النظام العالمي الجديد الذي أصبحنا فيه رغما عنا قرية كونية واحدة. ولايمكن تغيير النظام ان لم يتم مساندة الشعب الثائر من قبل قوى تملك أسلحة حديثة تتفوق على أسلحته , لقد كانت ثورات الربيع العربي بحق
ثورية المنشأ حيث الانفجار يشبه كل الثورات الكلاسيكية بشدته وعمقه وعفويته.
اصلاحية التوجه ,حيث المطالب هي الحرية والكرامة وليست اسقاط النظام ومنسجمة مع المنحى العام للتطور .
لكن الذي خذلها هو انقلاب مسار العولمة بعد ان سيطر عليه أصحاب رؤوس الأموال وذوي الجاه والنفوذ الذين رأوا بتلك الثورات تهديدا لمصالحهم .
لقد بدأ القرن الواحد والعشرين بداية واعدة تبشر بعصر جديد سيتم فيه اعلاء الانساني على الطبقي عبر اصلاح مؤسسات المجتمع الدولي ومن دون حرب شاملة كما جرى بعد الحرب العالمية الأولى والثانية ظهرت مؤشراتها في هيئة الأمم المتحدة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي ( الانساني )
أ – على المستوى السياسي طرح الأمين العام كوفي عنان عام 2001 التساؤل التالي على هيئته . «إذا كان التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان تعدياً على السيادة الوطنية للدولة ذات العلاقة، كيف يمكن لنا أن نتعامل مع إمكانات وجود راوندا جديدة أو سريبربنتسا أخرى، حيث يجري انتهاك منظّم ومنهجي لحقوق الإنسان في شكلٍ يتناقض مع كل مبدأ من مبادئ بشريتنا المشتركة؟». بناء على هذا التساؤل تشكلت لجنة لدراسة الموضوع والتعامل معه, نتج عنها ما سمي مبادرة «مسؤولية الحماية»، اقترحت جملة مبادئ بُنيت على قاعدة أن السيادة الوطنية ليست حقاً، وإنما هي مسؤولية بالدرجة الأولى وعرضت على الجمعية العامة في عام 2005ووافق عليها 191 دولة .
على المستوى الاقتصادي : وقّعت 191 دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة على اعلان الأمم المتحدة للألفية عام 2002 عرف باسم الأهداف الانمائية للألفية (MDG ) ربطت بين الارهاب والفقر وحددتها بثمانية اهداف منها
تخفيض الفقر بنسبة النصف بحلول عام 2015 مقارنة بخط أساس عام 1990 .
انهاء الفقر المدقع بحلول عام 2025 .
مساعدة الدول الغنية للدول الفقيرة كي تستطيع أن تحقق تقدما على سلم التنمية الاقتصادية قبل عام 2025 .
تشكلت لجنة من خبراء اقتصاديين لرئاسة مشروع الأمم المتحدة للألفية بإدارة مارك مالون براون وعضوية جوزيف شامي والأمريكي جيفري ساكس الذي قال في مشروعه المقدم للخطة عام 2004 ما يلي : علينا استخدام ثروتنا بصورة عاقلة لشفاء كوكب منقسم على نفسه , ولإنهاء معاناة الذين مازالوا مكبلين بالفقر , واقامة رباط مشترك للبشرية , والوصول الى الأمان , وبناء هدف مشترك عبر الثقافات والأقاليم المشتركة .
ج – على المستوى الانساني تشكيل محكمة الجنايات الولية لمحاكمة من يرتكب جرائم بحق الانسانية .
بدأ الانقلاب على ذلك النهج اثر وصول رجل المخابرات الروسية الى ىسدة الحكم ومعاكسته داخل مجلس الأمن من خلال حق النقض التي تمتلكه روسيا والعودة الى التمسك بمبدأ السيادة الوطنية لحماية الديكتاتوريين وعدم محاسبتهم على ما يفعلون بشعوبهم, وألحق ذلك باستعماله القوة العارية لفرض طموحاته الأمبراطوية كما فعل في غروزني والقرم مما فسح المجال لانبعاثات اميرطورية جديدة مثّلها المرشد والسلطان وانسحب أخيرا من محكمة الجنايات الدولية . تكتمل المأساة الآن مع صعود الفاشية في اوروبا ونجاح ترامب في امريكا والذي يشير بوضوح على تعاون الجهتين هذه المرة- الفاشية والأمبراطورية- ضد أي توجه انساني يحّد من امتيازات المليارديريين أمثالهم .
لكن اليساريين أمثال كاتبنا لم يفهموا مسار العولمة حتى الآن, وظّلوا يصبون اللوم على ثورتنا ومعارضتها, مع انني شخصيا ارى ان المعارضة على كل علاتها كانت وما زالت متقدمة عن النظام في كل جولات المفاوضات ومع الحل السياسي, ومع ذلك كان مبعوثي الأمم المتحدة يضغطون على المعارضة أكثر من ضغطهم على النظام إرضاء لأسيادهم وحفاظا على وظائفهم .
الصورة واضحة الآن حيث ان أكبر دولة في العالم يتحكم بقرارها السياسي ترامب وابنه وصهره مثل الأسد واخوه وابن خالته ,وشيء طبيعي في هذه الحالة ان يقف ترامب الى جانب الأسد وليس الى جانب الثورة .
لاأدري ان كان يريد يسارنا الترويج لقائد كاريزمي للثورة مثل قواد ثورات القرن العشرين ابتداء من لينيين مرورا بماوتسي تونغ انتهاء بالخميني. لقد استبدلت الثورة السورية الجموع بالقادة وفي ذلك انسجام مع التطور والفكر الانساني وهو يحسب لها لا عليها على ما أعتقد .
ومع انني لا أنكر تاريخ اليسار السوري ودوره في مقارعة نظام الاستبداد , الاانه ان لم يقرأ تجربته على ضوء ما اوصلنا اليه التطور في القرن الواحد والعشرين وينطلق من توازن القوى على الأرض وليس من المبادئ والشعارات والدعوة الى الملكية العامة , فسيظل على الهامش بكل أسف .
يعجبني في هذا المجال الكثير من القوى والشخصيات السورية التي أفرزتها الثورة والتي تُبشر بفهم واقعي لها والتي سيكون لها دور في سوريا والمنطقة والعالم على ما اعتقد .
على سبيل المثال لا الحصر هذه الكلمات لاحدى تقارير لجنة مغمورة في اللاذقية .
(اجتمعوا جميعا على استباحة سوريا وإجهاض ثورتها تحت شعار مكافحة الإرهاب وبإشراف هيئة الأمم المتحدة . ان هذا النهج خطير جدا واذا لم يعاد النظر فيه – بحيث ينتج المجتمع الدولي مجلس امن جديد يكون فيه القانون سيدا بدلا من القوة , وتقوم في ظله الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة ويتوازى فيه القول مع العمل من اجل الانسان وحقوقه – ستكون آثاره كارثية مستقبلا على الجنس البشري .
لو لم يكن للثورة السورية سوى فضيلة تعرية المجتمع الدولي ومؤسساته الحالية وكشف عجزها – ان لم نقل تواطئها من اجل استمرار الجحيم السوري- لكفاها ذلك .)
Tags: محرر